وكان هرتسوغ قد أبلغ آيزنكوت، مساء السبت، بنيّته تكليفه تشكيل الحكومة، وحدّد الخامسة من مساء الأحد موعداً للمراسم الرسمية، بعدما حصل على توصية 67 نائباً في الكنيست، مقابل 46 نائباً أوصوا بتكليف بنيامين نتنياهو، فيما امتنع سبعة نواب عن تسمية أي مرشح.
وفي أعقاب هذا التطور، تبرز أهمية العودة إلى تصريحات آيزنكوت ومواقفه السابقة، خصوصاً أن الرجل الذي تولّى رئاسة الأركان الإسرائيلية بين عامي 2015 و2019، وارتبط اسمه بما يُعرف بـ”عقيدة الضاحية”، يحمل تصورات أمنية بشأن الجبهات المحيطة بإسرائيل، تتقاطع في بعض جوانبها مع سياسات نتنياهو، وتختلف معها في آليات التنفيذ والتنسيق مع الولايات المتحدة.
لبنان أولاً.. حرية العمليات ومنطقة أمنية
في الملف اللبناني، سبق لآيزنكوت أن انتقد القيود الأميركية على العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أن الجيش الإسرائيلي يجب أن يحتفظ بحرية التحرك ضد “حزب الله”، بما في ذلك استهداف مواقع تابعة له في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي مقابلة مع القناة الإسرائيلية “12” في حزيران 2026، رأى أن تقييد العمليات العسكرية قد يضعف قدرة إسرائيل على مواجهة الحزب، معتبراً أن نتنياهو كان عليه إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرورة الحفاظ على حرية العمل العسكري.
كذلك، تناول تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” في أيلول الماضي تصورات آيزنكوت بشأن الوجود العسكري الإسرائيلي داخل لبنان، مشيراً إلى أنه قد يقبل بتقليص عمق المنطقة الأمنية إلى نحو ثمانية كيلومترات، في إطار ترتيبات تضمن إبعاد “حزب الله” عن الحدود والحد من استخدام الصواريخ المضادة للدروع.
غزة.. نزع سلاح “حماس” قبل الإعمار
أما في قطاع غزة، فيتمسك آيزنكوت بضرورة إنهاء القدرات العسكرية لحركة “حماس”، لكنه انتقد مراراً إدارة نتنياهو للحرب وغياب رؤية سياسية واضحة لمستقبل القطاع.
وفي مقابلة مع صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في تشرين الأول 2026، أبدى استعداده للمضي في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، شرط نزع سلاح “حماس” قبل الانتقال إلى إعادة الإعمار وترتيبات الحكم المدني.
وتتضمن رؤيته تشكيل إدارة مدنية جديدة ونشر قوة متعددة الجنسيات لتحقيق الاستقرار، مع منع الحركة من استعادة سيطرتها العسكرية على القطاع.
كذلك، انتقد آيزنكوت تعامل نتنياهو مع ملف الرهائن الإسرائيليين، معتبراً أن الحكومة أضاعت فرصاً للتوصل إلى اتفاقات كان يمكن أن تؤدي إلى إطلاق سراحهم.
إيران.. التهديد العسكري قائم ولكن بشروط
وفي ما يتعلق بإيران، يضع آيزنكوت منع طهران من امتلاك سلاح نووي في مقدمة الأولويات الأمنية الإسرائيلية، مع تأييده استخدام الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لتحقيق هذا الهدف.
وكان آيزنكوت اعتبر، في تصريحات للإذاعة العسكرية الإسرائيلية خلال تشرين الأول الماضي، أن شن هجوم جديد على إيران يجب أن يستند إلى معلومات استخباراتية واضحة بشأن وجود تهديد نووي وشيك، مشيراً إلى أنه لا يملك معلومات تؤكد وجود تطور يستدعي ضربة فورية.
وفي المقابل، نقلت “جيروزاليم بوست” تصورات منسوبة إليه بشأن فرض رقابة وردع حول المواقع الإيرانية التي يُعتقد أنها تحتوي على يورانيوم مخصب بنسبة 60%، مع التلويح باستخدام القوة لمنع نقل المواد النووية في ظروف تثير المخاوف الإسرائيلية.
كذلك، اعتبر آيزنكوت أن تغيير النظام الإيراني هدف مطلوب من وجهة نظره، لكنه رأى أن إسقاطه بالقوة العسكرية ليس خياراً واقعياً، وأن أي تغيير ينبغي أن يأتي من الداخل الإيراني.
الضفة الغربية.. رفض الدولة الفلسطينية
وفي القضية الفلسطينية، أعلن آيزنكوت معارضته إقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبراً أن إسرائيل يجب أن تحتفظ بالسيطرة الأمنية العليا على الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.
وفي الوقت نفسه، يؤيد منح السلطة الفلسطينية دوراً في إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية، مع استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
أيضاً، انتقد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، ودعا إلى اتخاذ إجراءات ضد المتورطين فيها، رغم تأييده استمرار الاستيطان ضمن ما يعتبره المصالح الأمنية الإسرائيلية.
سوريا.. تفاهمات أمنية مع استمرار التحفظات
أما في سوريا، فقد أبدى آيزنكوت تحفظات تجاه القيادة السورية برئاسة أحمد الشرع، لكنه لم يستبعد إمكان التوصل إلى ترتيبات أمنية بوساطة أميركية.
وبحسب تقارير إسرائيلية، تتضمن رؤيته استخدام الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية ورقة تفاوضية للتوصل إلى ترتيبات تضمن إبعاد القوات السورية عن الحدود، مع الاحتفاظ بمواقع استراتيجية تعتبرها إسرائيل ضرورية لأمنها.
ماذا بعد التكليف؟
تعكس هذه المواقف أن آيزنكوت، رغم خلافاته السياسية مع نتنياهو، لا يطرح تحولاً جذرياً في الأهداف الأمنية الإسرائيلية تجاه لبنان وغزة وإيران، بل يركز على إعادة تنظيم العلاقة بين العمليات العسكرية والمسارات السياسية والدبلوماسية.
ففي لبنان، يربط أي ترتيبات بانسحاب القوات الإسرائيلية وضمانات أمنية تتعلق بـ”حزب الله”، وفي غزة يشترط نزع سلاح “حماس” قبل إعادة الإعمار، بينما يتمسك تجاه إيران بمنع امتلاك السلاح النووي، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً.
لكن انتقال هذه التصورات إلى سياسات فعلية يبقى مرهوناً بنجاح آيزنكوت في تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، وطبيعة الأحزاب المشاركة فيها، فضلاً عن التفاهمات التي قد يبرمها مع الإدارة الأميركية.
وبذلك، يفتح قرار تكليف آيزنكوت مرحلة سياسية جديدة في إسرائيل، فيما تبقى مواقفه السابقة مؤشراً إلى أولوياته الأمنية المحتملة، من دون أن تشكل بالضرورة برنامجاً حكومياً نهائياً.











اترك ردك