في المنحى الاقتصادي، وفي خضم النقاش حول أهميّة إعادة تشغيل مطار القليعات، يبرز سؤال أوسع يتجاوز المطار بحدّ ذاته، ليطال مقوّمات الشمال اللبناني، ومدى القدرة على تأهيلها وتوظيفها، لإحداث نقلة اقتصاديّة حقيقيّة، خصوصًا في ظلّ المتغيرات الإقليميّة المتسارعة،والفرص التي قد تتيحها مرحلة إعادة إعمار سوريا.
“الخمسة ميم”.. مفاتيح الاقتصاد المعطّل في الشمال
في مقاربة الجدوى الاقتصادية، يلفت الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة إلى وجود خمسة مفاتيح اقتصاديّة أساسيّة تميّز منطقة طرابلس والشمال، يطلق عليها تسمية “الخمسة ميم”، وهي: مطار الرئيس رينيه معوّض، مرفأ طرابلس، مصفاة طرابلس، المنطقة الاقتصاديّة الخاصة، ومعرض رشيد كرامي الدولي.
وفي حديث لـ”لبنان 24″، يشير علامة إلى أنّ هذه الأصول الاستراتيجيّة تختزن إمكانات كبيرة، وقد بقيت لعقود خارج دائرة الاستثمار الفعلي، رغم ما تمتلكه من قدرات لوجستيّة وصناعيّة وتجاريّة، كان يمكن أن تضع الشمال في موقع اقتصادي متقدم. ويرى أنّ تفعيل هذه المفاتيح مجتمعة، قادر على تحويل المنطقة إلى مركز لوجستي وتجاري وصناعي متكامل.
دور مطار القليعات في التنمية المحليّة وإعادة إعمار سوريا
تعطيل تشغيل مطار القليعات في المراحل السابقة كان في جوهره سياسيًّا أكثر منه تقنيًا، قبل أن تتراجع بعض العقبات اليوم مع تغيّر الظروف في لبنان وسوريا، وفق علامة، مشيرًا إلى أنّ بعض المبرّرات التي طُرحت سابقًا، ولا سيّما تلك المرتبطة بالمجال الجوي أو بالتنسيق مع الجانب السوري، لم تكن دقيقة، موضحًا أنّ المعايير الفنيّة للمطار تسمح بتشغيله وفق أنظمة طيران معتمدة، ولا تختلف جوهريًّا عن مطار بيروت من حيث المسارات والإجراءات التشغيليّة.
ويعتبر أنّ تشغيل المطار اليوم لا يقتصر على كونه منشأة نقل، بل يحمل انعكاسات اقتصاديّة واسعة “إذ يمكن أن يؤمّن آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويحرّك شبكة واسعة من القطاعات الخدمية واللوجستيّة في الشمال، بما في ذلك شركات الخدمات والصيانة والنظافة والطيران، ما يؤمن دورة اقتصاديّة متكاملة في المنطقة.”
كما يشير إلى أهمية الموقع الجغرافي للمطار في توظيفه ضمن ورشة إعادة إعمار سوريا، إذ يبعد نحو 7 كيلومترات فقط عن الحدود السورية، ما يجعله شريانًا محتملًا لإعادة الإعمار، ونقطة ربط لوجستيّة، لنقل الخبراء والبضائع ومواد البناء.
حجر الأساس لا يكفي والعبرة بالتنفيذ
نجاح مشروع مطار القليعات لا يُقاس بوضع حجر الأساس أو إطلاق الخطط، بل بكيفية التنفيذ الفعلي وإدارة المشروع على الأرض. في السياق يلفت علامة إلى أنّ نجاح المشروع يبقى مرهونًا بحسن التنفيذ والحوكمة الفعليّة، في ظل ضعف إداري وبيروقراطي مزمن، قد يعرقل الاستفادة من الفرصة، معتبرًا أنّ “هذه المشاريع، إذا ما نُفّذت بجدية وسرعة، يمكن أن تتحوّل من فرص مؤجّلة إلى رافعة اقتصاديّة حقيقيّة للبنان، شرط اتخاذ قرارات حاسمة تتجاوز التأخير الإداري والسياسي”.
نحو مقاربة متكاملة لإنعاش اقتصاد الشمال
لا يقتصر النقاش حول مطار القليعات على البعد التشغيلي أو قطاع النقل الجوي فقط، بل يمتد ليطرح سؤالًا أوسع حول كيفية إدارة الموارد والمرافق الاستراتيجيّة في شمال لبنان، كمنظومة اقتصادية مترابطة.
من هنا يدعو علامة إلى مقاربة شاملة “لا تقتصر على المطار وحده، بل تمتد إلى تفعيل المرافق الاستراتيجية الأخرى في الشمال، وفي مقدّمها معرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، إضافة إلى إعادة تشغيل مصفاة طرابلس، باعتبارها عناصر مترابطة في أيّ مسار إنعاش اقتصادي”. فإعادة تشغيل مطار القليعات بمعزل عن إحياء باقي المرافق قد يحدّ من حجم الفائدة الاقتصادية المنتظرة، ويُفوّت على لبنان فرصة بناء منظومة متكاملة قادرة على إعادة تموضعه اقتصاديًّا على الخريطة الإقليمية، وربط الشمال اللبناني بمحيطه العربي عبر شبكة نقل واستثمار متكاملة.
في المحصّلة، لا يبدو أنّ مستقبل الشمال اللبناني، ومعه الواقع الاقتصادي اللبناني ككل، مرتبط بمشروع واحد، بقدر ما هو مرهون بقدرة الدولة على تحويل مجموعة من المقوّمات المعطّلة إلى منظومة اقتصادية متكاملة. غير أنّ هذه الإمكانات تبقى مشروطة بالإرادة الفعليّة للتنفيذ، وبقدرة المؤسسات على تجاوز التعطيل الإداري والسياسي المزمن، والانتقال من منطق إطلاق المشاريع إلى منطق تشغيلها واستثمارها. كما أنّ الواقع الأمني الدقيق الذي يمرّ به لبنان ربطًا بالحرب والانقسام الداخلي، قد يشكّل بدوره عامل ضغط إضافي يمكن أن يعرقل وتيرة التنفيذ.
ليس فقط مطار القليعات..خمسة كنوز في الشمال والعين على التنفيذ

لطالما أعاقت اعتبارات داخليّة، اتخذ بعضها طابعًا طائفيًّا غير معلن، مسار إحياء منشآت شمال لبنان، وفي مقدّمها مطار القليعات، الذي بقي مدرجًا على أجندة الحكومات السابقة، من دون أن يتحول إلى واقع تشغيلي فعلي. ورغم ما جرى مؤخّرًا من تطور لافت عبر وضع حجر الأساس لإعادة إحيائه، فإنّ ذلك لا يحجب حقيقة أنّ هذا المشروع، وسواه من مشاريع الشمال، عُطّل عمدًا لعقود بفعل حسابات سياسيّة، تفوقت على أيّ اعتبارات تقنيّة أو تنمويّة. ومع تراجع نفوذ بعض القوى التي كانت تمسك بمفاصل القرار وتستخدم ذريعة “الاعتبارات الأمنيّة” لتجميد المشاريع، أُعيد فتح هذا الملف اليوم، وصولًا إلى دفعه نحو مسار التنفيذ والإقلاع، بعد سنوات من إهدار فرص تنمويّة، كان يمكن أن تغيّر وجه الشمال والاقتصاد اللبناني ككل.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك