أولى هذه المؤشرات تتمثل في المشهد الداخلي الإيراني الذي أعقب تشييع المرشد الأعلى علي الخامنئي. فحجم المشاركة الشعبية الواسعة في مراسم التشييع حمل رسائل تتجاوز بعدها الداخلي، إذ قرأته دوائر عديدة في طهران على أنه دليل على قدرة النظام على إعادة تعبئة الشارع واستعادة تماسكه بعد الحرب. هذا المشهد عزز لدى القيادة الإيرانية شعوراً بامتلاك فائض جديد من القوة السياسية والشعبية، وبأن الرأي العام بات أكثر استعداداً لتحمل أعباء أي مواجهة مقبلة إذا فرضت الظروف ذلك. ومن هنا قد تكون طهران أقل ميلاً إلى تقديم تنازلات، وأكثر استعداداً للعودة إلى سياسة رفع سقف المطالب.
المؤشر الثاني يرتبط بالميدان البحري، حيث برزت مجدداً قضية مضيق هرمز. فالاستهداف الذي تعرضت له ناقلة غاز قطرية أعاد تسليط الضوء على أهمية هذا الممر الحيوي، وعلى قدرة إيران العملية على التأثير في حركة الملاحة داخله وفي الممر العماني. والنتيجة السياسية واحدة، وهي تذكير الجميع بأن أمن الطاقة العالمي لا يزال مرتبطاً إلى حد بعيد بالتوازنات التي تفرضها طهران في هذه المنطقة الحساسة، وأن أي توتر جديد يمنحها هامشاً أوسع لاستخدام هذا الملف كورقة ضغط استراتيجية.
أما المؤشر الثالث، فيتمثل في تصاعد الحديث داخل الولايات المتحدة عن إعادة تشديد العقوبات على صادرات النفط الإيرانية. فعودة هذا الطرح إلى الواجهة توحي بأن واشنطن بدأت تميل إلى إعادة استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، وهو ما تعتبره طهران خرقاً واضحاً للتفاهمات التي قامت عليها المرحلة السابقة. وإذا انتقلت هذه المواقف من دائرة التصريحات إلى التنفيذ، فإن ذلك سيضع الاتفاق أمام اختبار بالغ الصعوبة، وقد يدفع إيران إلى الرد بخطوات ميدانية أو سياسية تعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة المفتوحة.
هذه التطورات، عند جمعها معاً، لا تبدو أحداثاً منفصلة، بل تشكل سلسلة مترابطة توحي بأن مرحلة ما بعد تشييع الخامنئي قد تختلف جذرياً عما سبقها. فإيران تبدو أكثر ثقة بقدرتها على الصمود، فيما تبدو الولايات المتحدة أقل استعداداً للاستمرار بسياسة التهدئة من دون مقابل واضح. وبين هذين الاتجاهين، تزداد احتمالات عودة التصعيد، سواء في الخليج أو في ساحات الاشتباك الإقليمية الأخرى.
لذلك، فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاتفاق الإيراني – الأميركي لا يزال قابلاً للحياة، أم أنه دخل فعلاً مرحلة التفكك التدريجي. وحتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى السيناريو الثاني، حيث تتقدم لغة الضغوط والرسائل المتبادلة على حساب التفاهمات، بما ينذر بعودة التوتر إلى أكثر من جبهة في المنطقة.











اترك ردك