وعندما اندلعت الحرب الإيرانية – الاسرائيلية – الاميركية انتظر الحزب يراقب ما يجري ويده على الزناد ، إلى أن استهدفت الغارات المعادية المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد الخامنئي ، فتحرك الحزب بقرار إيراني كما هو معروف وأشعل الجبهة اللبنانية الاسرائيلية على نحو غير مسبوق ، فتمدد الاحتلال الاسرائيلي من خمس تلال قرب الحدود ، إلى قلب الجنوب في القطاعات الشرقي والغربي والأوسط وصولا الى القلعة الرمز في الشقيف ، موقعا اكثر من ٤ الاف شهيد مدني وعسكري وبينهم الكثير من الأطفال والنساء وكبار السن ، فضلا عن اكثر من ١٢ الف جريح ومعّوق ، ناهيك عن تدمير وجرف العديد من القرى والبلدات الجنوبية من دون نسيان الأضرار الاقتصادية وفي البنى التحتية الضخمة . وفيما بدأ خلال القتال بين الحزب وإسرائيل ان التنسيق مع ايران كان مباشراً هذه المرة ، بدا ايضاً أن طهران أدرجت الوضع في لبنان في مذكرة التفاهم مع واشنطن واستعملته مادة اساسية في المفاوضات التي عقدت في سويسرا والتي تأخرت ٤٨ ساعة لعدم التزام اسرائيل بوقف النار في لبنان .
لبنان : ماذا عن الانسحاب الإسرائيلي ؟
لقد ورد اسم لبنان ثلاث مرات في البند الأول من مذكرة التفاهم، وتضمّن النص تأكيداً على احترام وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها الوطنية. وهو توصيف يبدو في ظاهره مكسباً للبنانيين، غير أن قراءة متأنية لما بين السطور تكشف أن الواقع أكثر تعقيداً.
ينصّ البند الأول على أن الطرفين وحلفاءهما يعلنون الإنهاء الفوري والدائم لجميع العمليات العسكرية على كل الجبهات بما في ذلك لبنان، ويتعهدون باحترام وحدة أراضي لبنان وسيادته. لكن الوثيقة خلت تماماً من أي جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، ولا تذكر القرار 1701، ولا تتحدث عن دور للدولة اللبنانية أو انتشار الجيش في الجنوب.
ان هذه الفجوة بين الإعلان المبدئي والتفاصيل التنفيذية ، هي جوهر الإشكالية اللبنانية في هذا الاتفاق. مع العلم بان الدولة اللبنانية التي رحبت بالاتفاق الاميركي – الإيراني ، لا تزال تصر على ان المسار اللبناني منفصل عن المسار الإيراني ، وبالتالي لا تريد ان تتولاه ايران وهي تعوّل على الجانب الاميركي لدعم موقفها في مفاوضات واشنطن التي ستبدأ اليوم.
الموقف الإسرائيلي: الالتزام بالوقف دون الانسحاب
من جهتها إسرائيل هي طرف في هذا الاتفاق من حيث الالتزام بوقف الأعمال العدائية، إذ أن الطرف الأول في مذكرة التفاهم هو اميركا وإسرائيل والطرف الثاني هو إيران وحزب الله، وفق ما أعلنه وزير الخارجية الإيراني. غير أن تل أبيب أسرعت إلى رسم حدود التزامها حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس – ومن بعده رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو -أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المناطق الأمنية التي سيطر عليها في لبنان وسوريا وقطاع غزة، وأن نتنياهو أوضح ذلك لترامب من دون أن يصدر عن الجانب الاميركي اي توضيح باستثناء التأكيد على وقف النار فقط .
هذا الموقف يعني عملياً أن إسرائيل تقبل وقف إطلاق النار دون أن تقبل بالانسحاب، مستغلة غياب أي نص صريح يُلزمها بذلك في المذكرة. وقد بادرت طهران إلى التصدي لهذا التفسير؛ إذ أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن استمرار احتلال إسرائيل لجنوب لبنان يُشكّل انتهاكاً لمذكرة التفاهم، وأن طهران ستتخذ الإجراءات الضرورية في هذا الصدد.
هنا يظهر التناقض الأخطر: واشنطن أقنعت طهران بالتوقيع، لكنها لم تُلزم تل أبيب بالانسحاب. وهذا يجعل لبنان ساحة تفسير متنازعاً عليها بين الأطراف الكبرى ، وهو ما يقلق القيادات الرسمية والسياسية اللبنانية والعربية على حد سواء .
غير ان المفارقة الصارخة في هذه المذكرة أن لبنان مذكور ثلاث مرات لكنه غائب تماماً كطرف تفاوضي. الدولة اللبنانية لم تُستشر ولم تشارك، وسيادتها أُعلنت مادة في اتفاق ثنائي بين قوتين أجنبيتين. لا حديث في المذكرة عن انسحاب إسرائيلي ولا تطبيق للقرارات الدولية، خصوصاً القرار 1701، ولا ذكر لأي دور للدولة اللبنانية أو انتشار الجيش، بما يعني تثبيت الاحتلال في شريط يربط جنوب الليطاني بشماله. هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة الصعوبة: فهي تُصرّ على مسار واشنطن خياراً وحيداً لتثبيت وقف إطلاق النار وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، بينما “حزب الله” بات يتسلح بالتفاهم مستنداً إلى الدعم الإيراني، رافعاً شعار استعادة توازن الردع، ومراهناً على قواعد اشتباك جديدة يرفض معها العودة إلى ما قبل الحرب. واتت خطب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم المتتالية لتؤكد على هذه المعادلة المعقدة .
٣ سيناريوهات
ماذا يعني هذا عملياً؟
ثلاثة سيناريوهات تتشكل على الأرض:
– الأول :فرصة للدولة ، ذلك ان وقف الأعمال العدائية يمنح الجيش اللبناني فرصة للانتشار جنوباً وملء الفراغ، إذا أحسنت الحكومة استثمار الزخم الدولي الناتج عن الاتفاق للضغط على الانسحاب الإسرائيلي ضمن مفاوضات الستين يوماً، واذا تجاوب معها ” الحزب” ومن خلفه طهران .
– الثاني : الوقوع في فخ التجميد ، ذلك ان إسرائيل تُثبّت وجودها العسكري في الجنوب تحت غطاء “المناطق الأمنية”، وتحوّل الاحتلال المؤقت إلى أمر واقع مديد، مستفيدة من صمت المذكرة عن جدول الانسحاب ، إضافة إلى ادعائها بحقها في حماية المستعمرات القريبة من الحدود مع لبنان والتي هجرها أهلها منذ اشهر ولم يعودوا اليها بعد وهو ما يقلق إسرائيل التي شهدت ردود فعل شعبية سلبية يرتفع منسوبها يوماً بعد يوم مع اقتراب موعد الانتخابات التي سواء قُدم موعدها ام لا ، فانها الكابوس الذي يؤرق حياة نتنياهو .
-الثالث :،عودة إيران إلى الملف اللبناني اذ باتت إيران ممسكة بالملف اللبناني وستربطه في كل حساباتها، فيما “حزب الله ” سيندفع أكثر إلى الداخل معتبراً أنه حقق إنجازاً لم تستطع الدولة تحقيقه في مسارها للمفاوضات لاسيما وان “الحزب ” لا يزال يرفض المفاوضات المباشرة ويتمسك بانسحاب إسرائيل ، علما أن هذه المفاوضات مستمرة والدولة اللبنانية بركنيها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ، ماضية بالمفاوضات والجولة المقبلة ستكون يوم الثلثاء ٢٣ حزيران الجاري ، والرئيس اللبناني مصر على فصل هذه المفاوضات عن المسار الإيراني بينما هي في الواقع ملتصقة به لان الطرف الأساسي في المعادلة هو ” حزب الله” الذي سلّم المفتاح إلى طهران وليس إلى بعبدا !
في الخلاصة ، فان لبنان بين فرصة وورطة : المذكرة تمنح لبنان وقف إطلاق النار — وهو مكسب حقيقي بعد أشهر من الدمار — لكنها لا تحلّ الإشكالية الجوهرية: الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، ومعادلة السلاح، ودور الدولة اللبنانية. بل إنها قد تُعقّد هذه المعادلة، إذ أعطت كلاً من إيران وحزب الله ورقة ضغط جديدة، بينما تركت الدولة اللبنانية في موقع المتلقي لا الصانع.
في المهلة المتبقية من الستين يوماً (علما أن التمديد وارد ) هي الاختبار الحقيقي: إما أن تُحوّل الدولة اللبنانية هذه التهدئة إلى ورقة ضغط لانسحاب إسرائيلي حقيقي وانتشار عسكري كامل، وإما أن تجد نفسها أمام احتلال متجدد لا نص يُلزم بإنهائه يعيد إلى الذاكرة الاحتلال السابق الذي لم ينته إلا في العام ٢٠٠٠ خصوصاً إذا اظهر الجانب الإسرائيلي رفضاً للانسحاب من لبنان ما لم يتم تجريد “حزب الله ” من سلاحه … وهنا المشكلة الكبرى التي لا يوجد في الأفق اي حل لها بعد !
لقراءة المقال السابق انقر هنا
مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية: مَنْ ربح ومَنْ خسر؟










اترك ردك