من الجنوب إلى واشنطن: هل يدخل لبنان زمن التسويات؟

عندما اتصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وما أشيع عن سعي أميركي لترتيب لقاء بين عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في “البيت الأبيض”، تبادر إلى ذهني قولين، الأول لمؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل، والثاني لنجله الرئيس الشيخ أمين الجميل. الأول قال إن “قوة لبنان بضعفه”، والثاني قال “أعطوني السلام وخذوا ما يدهش العالم”. هذان الموقفان قيلا قبل ما يقارب الخمس وأربعين سنة شهد خلالها لبنان تغييرات كثيرة، ولعل أهمها صعود نجم “حزب الله”، الذي أعلن غداة الإعلان الثاني لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل أن يده ستبقى على الزناد، مع رفض مطلق لأي “مفاوضات مباشرة مع العدو”. وهذا مؤشّر إلى أن مرحلة العشرة أيام من الهدنة قد تكون أصعب بكثير من الحرب بحدّ ذاتها، وربما أصعب من خوض لبنان تجربة المفاوضات المباشرة، التي ستقود بطبيعة الحال إلى توقيع اتفاق سلام، وذلك بعد تذليل كل العقبات الخارجية والداخلية، التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، “الذي سيدهش العالم”.  
وعليه، فإنه لا يمكن قراءة التفاهم اللبناني – الإسرائيلي في 17 نيسان 2026 بمعزل عمّا سبقه في 27 تشرين الثاني 2024، لأن ما جرى ليس مجرد تكرار لمحاولة تهدئة، بل انتقال واضح من مرحلة إدارة الحرب إلى محاولة إعادة صياغة قواعدها.
في اتفاق 2024، كان الهدف الأساسي وقف إطلاق النار وتثبيت القرار 1701 كمرجعية لضبط الجبهة الجنوبية. يومها، بدا الاتفاق أقرب إلى محاولة احتواء التصعيد، من دون الغوص في جذور الصراع أو فتح الباب أمام مسارات سياسية أوسع. أما في تفاهم 2026، فالصورة مختلفة تمامًا. لم يعد الحديث مقتصرًا على وقف الأعمال العدائية، بل توسّع ليشمل مفاهيم أكثر حساسية، مثل الاعتراف بالسيادة، والإقرار بأن الطرفين ليسا في حالة حرب، والأهم الدخول في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية.
هذا التحول ليس تفصيلاً. فهو ينقل العلاقة من منطق “تنظيم الاشتباك” إلى منطق “إدارة التسوية”، ولو نظريًا. لكن، وعلى رغم هذا التقدّم في الشكل، فإن المضمون يكشف تعقيدات أعمق. فبينما بقيت بعض القواسم المشتركة قائمة، كالتأكيد على وقف الأعمال العدائية ودور الولايات المتحدة كراعٍ أساسي، فإن الفوارق الجوهرية تكمن في طبيعة المقاربة نفسها.
في 2024، كان “حزب الله” حاضرًا كواقع ميداني يتمّ التعاطي معه ضمنيًا، عبر القرار 1701. أما في 2026، فقد أصبح جزءًا من المشكلة المطروحة صراحة، من خلال الحديث الواضح عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وهذا التحوّل لا يعكس فقط تغييرًا في اللغة، بل في الهدف، إذ ينتقل النقاش من احتواء الدور العسكري للحزب إلى محاولة إنهائه أو تقليصه جذريًا.
إلى ذلك، يبرز اختلاف أساسي في طبيعة التفاوض. ففي حين نصّ اتفاق 2024 على مفاوضات غير مباشرة، يأتي تفاهم 2026 ليكرّس مبدأ المفاوضات المباشرة، وهو ما يشكّل سابقة سياسية شديدة الحساسية في السياق اللبناني. كما أن طبيعة وقف إطلاق النار تغيّرت، من صيغة شبه مفتوحة إلى هدنة محددة بعشرة أيام، مشروطة بالتقدم في المفاوضات، وقابلة للتمديد.
هذه الهدنة، في جوهرها، ليست حلًا بقدر ما هي اختبار. اختبار لجدية الأطراف، ولقدرة الولايات المتحدة على تحويل التفاهم إلى مسار تفاوضي فعلي، وليس مجرد محطة عابرة في مسار الصراع. فهي تفتح نافذة، لكنها لا تضمن ما سيأتي بعدها.
غير أن العامل الحاسم يبقى في الداخل اللبناني. فرفض “الثنائي الشيعي” لهذا المسار، ولا سيما لما يتصل بنزع سلاح “حزب الله”، لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل عابر، بل هو عنصر أساسي قد يحدد مصير أي مفاوضات مقبلة. فلبنان، الذي يدخل إلى طاولة التفاوض، لا يزال منقسمًا حول مبدأ التفاوض نفسه، وحول نتائجه المحتملة.
هذا الانقسام لا يضعف فقط الموقف التفاوضي، بل يطرح إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الدولة على الالتزام بأي اتفاق يتم التوصل إليه، إذ لا يمكن لأي تفاهم أن يتحوّل إلى واقع إذا لم يحظَ بحد أدنى من التوافق الداخلي، أو إذا بقي جزء أساسي من المعادلة خارج إطاره.
يمكن القول إن اتفاق 2024 كان محاولة لضبط الحرب، أما تفاهم 2026 فهو محاولة لتغيير قواعدها. لكن ما بين المحاولتين، يبقى الثابت الوحيد أن المشكلة ليست في النصوص، بل في القدرة على تنفيذها. فلبنان لا يفاوض إسرائيل فقط، بل يفاوض نفسه أيضًا. وفي ظل هذا الواقع، قد تكون هدنة الأيام العشرة بداية جيدة، لكنها لن تكون كافية، إذا لم يُحسم الخلاف في الداخل قبل الخارج.