من عبء مالي إلى منجم ذهب.. نقص الديزل يضع مصافي النفط على أعتاب أرباح تاريخية

أفاد تقرير نشره موقع “ذا غارديان” البريطاني بأن النقص العالمي في الديزل، الناجم عن تضرر مصافي التكرير جراء الحرب في الشرق الأوسط وروسيا، إلى جانب القيود الصينية على صادرات الوقود، يفتح الباب أمام شركات التكرير الغربية لتحقيق أرباح قياسية، في وقت يُتوقع فيه استمرار أزمة الإمدادات حتى عام 2027.

 

وأوضح التقرير الّذي ترجمه “لبنان 24″، أن التحذيرات من استمرار أزمة الوقود جاءت بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لاستيراد الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، في محاولة لخفض أسعار الوقود المرتفعة. غير أن هذه الخطوة تعرّضت لانتقادات باعتبارها متأخرة وغير كافية لمعالجة الارتفاع الحاد في الأسعار، الذي تفاقم مع خروج مصافٍ متضررة من الخدمة.

 

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن نقص الوقود سيستمر حتى العام المقبل، رغم الخطط الرامية إلى تخفيف العقوبات التجارية أو الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية، ما يشكّل ضربة إضافية للاقتصاد العالمي. وحذّرت الوكالة من أن الأسعار القياسية للديزل بدأت تترك تداعيات واسعة، من خلال رفع تكاليف السلع والتأثير في القدرة الشرائية والنشاط الاقتصادي ومعدلات التضخم.

 

لكن، في مقابل هذه الضغوط الاقتصادية، تستعد مصافي التكرير الغربية لتحقيق مكاسب استثنائية، مستفيدة من ارتفاع أسعار الوقود وتراجع المعروض في الأسواق العالمية.

 

مصافي التكرير تتحول من أعباء إلى مناجم ذهب

ونقل التقرير عن الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز” الفرنسية، باتريك بويانيه، قوله إن الأزمات والاضطرابات تتيح فرصاً كبيرة للشركات القادرة على الاستفادة منها. وأشار بويانيه إلى أن امتلاك مصافٍ في أنحاء أوروبا، كانت تُعدّ سابقاً عبئاً مالياً على الشركة، أصبح اليوم مصدراً رئيسياً للأرباح، بفضل قدرتها على توفير الديزل في أسواق تعاني نقصاً في الإمدادات.

 

ويشكّل الديزل نحو 10% من استهلاك الطاقة العالمي، ويُعدّ من أنواع الوقود الأساسية التي تعتمد عليها قطاعات واسعة، تشمل الزراعة والتعدين والصناعة والشحن والخدمات اللوجستية.غير أن الإمدادات العالمية منه تراجعت بنحو مليون برميل يومياً مقارنة بمستويات عام 20. 25، نتيجة الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير في منطقة الخليج وروسيا، فضلاً عن القيود التي فرضتها الصين على صادرات الوقود.

 

وأدى هذا النقص إلى زيادة الأعباء على الشركات والمستهلكين، من المزارعين في منطقة الغرب الأوسط الأميركي إلى شركات تشغيل الحافلات في إنكلترا، وسط مخاوف من انتقال آثار ارتفاع أسعار الوقود إلى أسعار الأغذية والسلع والنقل. وفي المقابل، أصبحت الأزمة مصدراً مربحاً لشركات تكرير النفط التي تمكنت من زيادة إنتاج الديزل وبيعه بأسعار مرتفعة.

 

“توتال إنرجيز” تحقق أقوى أرباح فصلية منذ ثلاث سنوات

وأوضح التقرير أن شركة “توتال إنرجيز” استفادت بصورة مباشرة من ارتفاع هوامش أرباح التكرير، إذ ساهمت مصافيها الأوروبية في تعزيز نتائجها المالية. وارتفعت إيرادات قطاع التكرير والكيماويات في الشركة إلى 1.8 مليار دولار بين نيسان وحزيران، أي أكثر من أربعة أضعاف مستواها السابق، ما ساعدها على تسجيل أقوى أرباح فصلية لها منذ ثلاث سنوات.

 

ولا تقتصر المكاسب على الشركة الفرنسية، إذ يتوقع التقرير أن تحقق مصافي التكرير الأميركية بعض أكبر الأرباح في القطاع، مستفيدة من زيادة صادرات الوقود إلى الأسواق الخارجية.

 

فقد ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من المنتجات النفطية بأكثر من 50% خلال عام، من نحو 1.25 مليون برميل يومياً إلى مستوى قياسي بلغ 1.9 مليون برميل يومياً خلال الصيف، الأمر الذي ساعد في تعويض جزء من النقص الناجم عن تراجع إنتاج المصافي في منطقة الخليج.

 

كما تضاعفت القيمة السوقية لثلاث من أكبر شركات التكرير الأميركية، وهي “ماراثون بتروليوم” و”فاليرو إنرجي” و”فيليبس 66″، منذ بداية الأزمة. وارتفعت القيمة السوقية الإجمالية لأسهم هذه الشركات بنحو 215 مليار دولار خلال العام، بعدما سجلت أسهمها مستويات قياسية متتالية. ومن المتوقع أن تعلن الشركات الثلاث خلال الأسابيع المقبلة عن تحقيق أعلى أرباح في تاريخها.

 

“شل” تتوقع ارتفاع هوامش أرباح التكرير

وبحسب التقرير، تتجه شركة “شل”، إحدى أكبر شركات النفط والغاز في أوروبا، إلى تحقيق أرباح قياسية عن كل برميل من الوقود المكرر خلال الربع الثالث من العام. وكانت الشركة قد سجلت ثاني أعلى أرباح فصلية في تاريخها خلال الصيف، فيما توقعت أن ترتفع هوامش أرباح التكرير إلى 42 دولاراً لكل برميل من المنتجات المكررة بين تموز وأيلول، مقارنة بـ24 دولاراً للبرميل في الربع الثاني.

 

ويعود هذا التحسن إلى اتساع الفارق بين سعر النفط الخام وسعر المنتجات المكررة، وهو الفارق الذي يشكّل عاملاً أساسياً في تحديد ربحية المصافي. وأشار التقرير إلى أن سعر خام برنت تراجع نسبياً في الأسابيع الأخيرة، ليستقر قرب 100 دولار للبرميل، مع تحسن تدفق بعض الشحنات الخارجة من منطقة الخليج، قبل أن يعاود الارتفاع إلى أكثر من 106 دولارات وسط مخاوف من تصعيد الصراع في الشرق الأوسط.

 

وفي المقابل، بقيت صادرات الوقود محدودة، فيما واصلت المخزونات العالمية من الديزل والبنزين ووقود الطائرات تراجعها. ونتيجة لذلك، ظلت أسعار الديزل أعلى من المستويات التي كان يُتوقع بلوغها في هذه المرحلة، رغم التراجع النسبي في أسعار النفط الخام.

 

وأشار التقرير إلى أن المصافي القادرة على تعديل عملياتها لزيادة إنتاج الديزل ووقود الطائرات كانت الأكثر استفادة من الأزمة، إذ ساعدتها هذه المرونة على تلبية الطلب المرتفع وتحقيق إيرادات أكبر. ونقل التقرير عن الرئيسة التنفيذية لشركة «بي بي»، ميغ أونيل، أن الشركة تمكنت من الاستجابة سريعاً لمخاوف نقص الديزل في أستراليا خلال شهري آذار ونيسان.

 

وأوضحت أونيل أن الشركة أرسلت شحنات من الديزل إلى عملائها في أستراليا من مصفاة روتردام في هولندا ومصفاة “تشيري بوينت” الواقعة على الساحل الغربي للولايات المتحدة. ومع انتقال المخاوف إلى وقود الطائرات في أوروبا، عدّلت «بي بي» عمليات مصافيها لزيادة إنتاج هذا الوقود بنسبة 30% في أيار، مقارنة بمستوياته قبل اندلاع الحرب، بهدف ضمان تلبية احتياجات السوق.

 

ومع تصاعد الضغوط على إمدادات الديزل عالمياً، عادت الشركة إلى تعديل عملياتها لزيادة إنتاجه والاستفادة من ارتفاع أسعاره. وتُظهر هذه التجربة، وفق التقرير، أن قدرة المصافي على التحول بين أنواع الوقود المختلفة أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد الشركات المستفيدة من أزمة الإمدادات.

 

ورغم المكاسب التي حققتها بعض الشركات، فإن التقرير يشير إلى أن الأزمة لم تمنح كل المصافي فرصاً متساوية. فبعضها يواجه ارتفاعاً كبيراً في تكاليف شراء النفط الخام واستئجار ناقلات النفط العملاقة، في حين ينتج أنواعاً أخرى من المشتقات النفطية، مثل النافثا والبنزين، التي لا تزال أسعارها أقل بكثير من المستويات التي بلغها الديزل ووقود الطائرات. وتؤدي هذه العوامل إلى تراجع ربحية بعض المصافي، رغم الارتفاع العام في أسعار الوقود.

 

وفي شمال غرب أوروبا، تراجعت هوامش أرباح التكرير، المعروفة باسم “فارق التكرير”، من 54 دولاراً للبرميل في مطلع أيلول إلى مستويات سالبة بلغت 11 دولاراً للبرميل في وقت سابق من تشرين الأول.

 

ويعكس هذا التراجع التفاوت الكبير في أداء المصافي، تبعاً لنوعية المنتجات التي تنتجها وقدرتها على التكيف مع تقلبات السوق وتكاليف التشغيل.

 

هل يؤدي نقص الديزل إلى أزمة جديدة في البنزين؟

وحذّر التقرير من أن التحول نحو زيادة إنتاج الديزل قد يؤدي إلى فائض في المعروض منه مع بداية العام المقبل، لكنه قد يمهّد في الوقت نفسه لظهور أزمة جديدة في البنزين. فإذا اضطرت المصافي المتخصصة في إنتاج البنزين إلى خفض مستويات تشغيلها لتجنب الخسائر المتزايدة، فقد تتراجع إمدادات هذا الوقود، ما يهدد بارتفاع أسعاره وظهور نقص جديد في الأسواق.

وبذلك، قد تنتقل أزمة الوقود من الديزل إلى البنزين، في مرحلة جديدة من اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.

 

وتأتي هذه المخاوف في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات والشركات والمستهلكين بسبب ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والإنتاج، وسط توقعات بأن يستمر تأثير أزمة الإمدادات خلال عام 2027.