وكانت قبية تخضع آنذاك للإدارة الأردنية، قبل أن تتعرض لهجوم إسرائيلي واسع في إطار عملية عسكرية حملت اسم “شوشانا”، جاءت عقب مقتل امرأة إسرائيلية وطفليها إثر إلقاء قنبلة يدوية على منزلهم في بلدة يهود، ليلة 12-13 تشرين الأول 1953.
واتهمت إسرائيل متسللين من الأراضي الخاضعة للإدارة الأردنية بتنفيذ الهجوم، رغم أن التحقيقات لم تكن قد حددت هوية المسؤولين عنه بصورة قاطعة، وفق وثائق أممية.
تفجير المنازل ومقتل عشرات المدنيين
بحسب تقارير هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، بدأ الهجوم الإسرائيلي على قبية نحو الساعة التاسعة والنصف مساء 14 تشرين الأول، واستمر حتى فجر اليوم التالي.
واستخدمت القوات الإسرائيلية المدافع وقذائف الهاون والأسلحة الرشاشة، قبل اقتحام القرية وتفجير منازلها، فيما تعرضت قريتا بدرس وشقبا المجاورتان للقصف.
وأسفرت العملية عن تدمير نحو 45 منزلاً، إلى جانب مدرسة القرية وخزان مياه، ومقتل عشرات السكان الذين احتموا داخل منازلهم قبل تفجيرها.
ووثّق تقرير قائد هيئة مراقبة الهدنة الأممية، الجنرال فاغن بينيكي، شهادات عن إطلاق الجنود النار على الأبواب والنوافذ وإلقاء القنابل اليدوية داخل المنازل، قبل نسفها بالمتفجرات.
كذلك، عثر المراقبون الأمميون على قنابل يدوية تحمل كتابات عبرية وأكياس من مادة “تي إن تي”، فضلاً عن آثار إطلاق نار كثيف على المنازل المدمرة.
وفي تحقيق نشرته صحيفة “ذا أوبزرفر” البريطانية عام 2001، استعاد ناجون تفاصيل المجزرة، بينهم الفلسطينية صفية حسين طيب، التي تحدثت عن اختبائها مع عائلتها خلال الهجوم، وفقدانها ابنتها وزوج ابنتها وأحد أبناء إخوتها.
إنكار إسرائيلي ووثائق تكشف المسؤولية
عقب المجزرة، حاولت الحكومة الإسرائيلية نفي مسؤولية جيشها عن العملية. ففي 19 تشرين الأول 1953، أعلن رئيس الحكومة آنذاك دافيد بن غوريون أن وحدات الجيش لم تشارك في الهجوم، ملمحاً إلى مسؤولية مدنيين إسرائيليين تحركوا بدافع الانتقام.
وفي المقابل، تؤكد وثائق الأرشيف العسكري الإسرائيلي مشاركة الوحدة “101” بقيادة شارون في العملية وتفجير عشرات المنازل، فيما أشارت دراسة نشرتها مجلة “Israel Law Review” عام 2025 إلى أن الهجوم نُفذ بقرار من القيادة الإسرائيلية، وأن الأوامر تضمنت إلحاق أكبر قدر من الضرر بالقرية.
إدانة دولية من دون عقوبات
أثارت المجزرة غضباً أردنياً واسعاً، ودفع ذلك عمّان إلى تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي في 16 تشرين الأول 1953، اتهمت فيها القوات الإسرائيلية بقتل المدنيين وتدمير منازلهم.
وفي 24 تشرين الثاني من العام نفسه، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 101، الذي أكد مسؤولية القوات الإسرائيلية عن الهجوم، واعتبره انتهاكاً لاتفاق الهدنة الأردني الإسرائيلي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
وأدان المجلس العملية بشدة، مطالباً إسرائيل بمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، من دون فرض عقوبات أو إقرار تعويضات للضحايا.
ورغم الإدانة الدولية، واصل شارون مسيرته العسكرية والسياسية، فتولى لاحقاً وزارة الدفاع الإسرائيلية خلال اجتياح لبنان عام 1982، قبل أن يصبح رئيساً للحكومة عام 2001.
وبعد 73 عاماً، تبقى مجزرة قبية واحدة من أبرز العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين في خمسينيات القرن الماضي، وقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة والأرشيفات الإسرائيلية تفاصيلها ومسؤولية القوات التي نفذتها.











اترك ردك