ففي الساعات الماضية، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بدء عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، فيما تحدثت مصادر عسكرية عن هجمات على مواقع حوثية في مديرية ذوباب المشرفة مباشرة على باب المندب، بالتزامن مع وصول طلائع من القوات الموالية للحكومة إلى المنطقة.
هذه التطورات لا تأتي من فراغ. فقبل أيام، كشفت معلومات نُقلت عن استعدادات سعودية لعملية عسكرية تقودها قوات يمنية بهدف استعادة السيطرة على مناطق الساحل الغربي وباب المندب، مع خيارات تتراوح بين عملية مركزة حول المضيق وهجوم أوسع على جبهات عدة داخل اليمن. وأشارت المعلومات إلى دعم سعودي جوي واستخباري أميركي للعملية.
ومن هنا تصبح جزيرة ميون، أو بريم، أكثر من مجرد نقطة جغرافية في المعركة.
فالجزيرة تقع في قلب باب المندب وتقسمه إلى ممرين ملاحيين، والسيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر موقعاً متقدماً على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وكان الحوثيون قد تمكنوا خلال هجومهم الأخير من التقدم على الساحل الغربي والسيطرة على مناطق ومواقع وجزر قريبة من المضيق، ما أعطاهم ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الحرب اليمنية الداخلية.
لذلك، فإن أي حديث عن استسلام عناصر حوثية في ميون، إذا ما تأكد ميدانياً، لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً محلياً. فهو قد يعني أن الضغط العسكري بدأ يصل إلى واحدة من أهم حلقات الانتشار الحوثي على الساحل. لكن الأهم من الاستسلامات نفسها هو السؤال عما إذا كانت القوات الحكومية قادرة على تثبيت وجودها في ميون وذوباب والمناطق المطلة على المضيق، وتأمينها من أي هجوم معاكس.
وهنا تبدأ معركة مختلفة تماماً.
فـ “فتح باب المندب” لا يعني فقط استعادة جزيرة أو بلدة. فتح المضيق يعني استعادة القدرة على تأمين الملاحة، وحماية السفن، ومنع استخدام الساحل اليمني والمواقع المرتفعة المحيطة بالممر البحري لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة أو تهديد حركة السفن. وهذا تحديداً ما يجعل المعركة المقبلة ذات بعد إقليمي ودولي واضح.
فباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن خلاله تمر حركة بحرية تربط المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط. وفي ظل اضطراب الملاحة في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز فعلياً نتيجة الحرب مع إيران، ازدادت القيمة الاستراتيجية لباب المندب.
ولذلك لا تبدو السعودية مستعدة للتعامل مع السيطرة الحوثية على المضيق باعتبارها تطوراً يمكن التعايش معه في أي مفاوضات مقبلة. فبحسب بعض ترى الرياض أن استمرار سيطرة الحوثيين على باب المندب يمنحهم نفوذاً استراتيجياً كبيراً ويصعّب العودة إلى مسار تفاوضي جديد. لكن المعركة لن تكون سهلة.
فالسيطرة على الشريط الساحلي لا تعني بالضرورة إنهاء القدرة الحوثية على تهديد الملاحة. الجماعة لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على كامل المضيق كي تحتفظ بقدرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات من مواقع بعيدة نسبياً، كما أن أي تقدم حكومي على الساحل يمكن أن يدفع الحوثيين إلى توسيع الهجمات على العمق السعودي، وهو ما بدأ يظهر بالفعل مع استهداف منشآت سعودية بصواريخ ومسيّرات، وإن كانت بعض هذه الادعاءات لا تزال بانتظار تأكيد مستقل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت “معركة باب المندب” قد بدأت، فهذا بات أقرب إلى الواقع العسكري مع انتقال القوات الحكومية إلى الهجوم في محيط المضيق، بل إلى أي مدى يمكن أن تتوسع هذه المعركة، وما إذا كان هدفها سيبقى تحرير الساحل والمضيق أم سيتحول إلى محاولة تغيير ميزان القوى في اليمن كله؟
فالعملية التي أعلنتها الحكومة اليمنية لا تتحدث فقط عن باب المندب، بل عن استعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون. وهذا يعني أن المضيق قد يكون بداية المعركة وليس نهايتها.
وإذا نجحت القوات الحكومية في تثبيت مواقعها حول ميون وذوباب والساحل الغربي، فإن المشهد الإقليمي سيتغير حكماً. فالحوثيون سيفقدون إحدى أهم أوراقهم الاستراتيجية، والسعودية ستستعيد هامشاً أوسع في حماية أمنها البحري، فيما ستجد إيران نفسها أمام واقع جديد في إحدى أهم ساحات نفوذ حلفائها.
أما إذا تمكن الحوثيون من امتصاص الهجوم وإعادة فتح جبهات مقابلة، فقد يتحول باب المندب إلى مركز تصعيد جديد في حرب إقليمية تتداخل فيها اليمن والسعودية وإيران وأمن الملاحة الدولية.
لذلك، قد لا تكون معركة ميون مجرد معركة على جزيرة، ولا معركة ذوباب مجرد هجوم على موقع يمني ساحلي. إنها محاولة لتغيير المعادلة التي نشأت حول باب المندب. وإذا ثبتت القوات الحكومية مواقعها هناك، فقد يكون السؤال التالي ليس من يسيطر على المضيق، بل من يملك القدرة على إبقاء المضيق مفتوحاً.











اترك ردك