التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول إنَّ الحزب نجح في بناء ما يشبه “بنية تربوية موازية” للدولة، تشكل إحدى ركائز استمراريته على المدى الطويل، مشيراً إلى أن التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة عقب الثورة الإيرانية عام 1979 والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وفّرت البيئة المناسبة لظهور حزب الله وتوسّع نفوذه، في ظل تراجع مؤسسات الدولة وانهيار أجزاء من البنية التعليمية الرسمية.
كذلك، قال التقرير إن الحرس الثوري الإيراني استثمر هذا الواقع عبر دعم إنشاء مؤسسات تعليمية ودينية شكلت لاحقاً قاعدة أساسية لتوسع الحزب داخل المجتمع الشيعي.
وبحسب التقرير، بدأت ملامح المشروع التربوي للحزب مع إنشاء مدارس “المصطفى” قبل تأسيس حزب الله رسمياً، ثم توسع هذا المشروع خلال ثمانينيات القرن الماضي بدعم مالي وتنظيمي إيراني، شمل إنشاء مدارس ومؤسسات تعليمية، رافقه خطاب سياسي وديني يرفض النظام اللبناني ويدعو إلى بناء منظومة تربوية موازية ترتبط بالمشروع العقائدي للحزب.
وذكر التقرير أنَّ هذه المدارس لا تقتصر على تأهيل الطلاب أكاديمياً، بل تهدف أيضاً إلى إعداد كوادر تتبنى رؤية الحزب السياسية والفكرية، موضحاً أن المنظومة التعليمية التابعة لحزب الله تطورت تدريجياً لتصبح جزءاً من مشروع اجتماعي متكامل، يضم مدارس “المهدي” و”المصطفى”، ومؤسسات كشفية ورياضية وثقافية، إضافة إلى برامج تربوية تستهدف الأطفال واليافعين، معتبراً أنها تشكل ما يشبه “دولة داخل الدولة”.
ووفق تقديرات التقرير، يشرف الحزب بصورة مباشرة على ما لا يقل عن 22 مدرسة تضم أكثر من 47 ألف طالب، فيما تمتد الشبكة الفعلية إلى عدد أكبر من المؤسسات التعليمية والاجتماعية المرتبطة به.
ويفرّق التقرير بين شبكتي “المصطفى” و”المهدي”، موضحاً أن الأولى تضم ست مدارس تستهدف بصورة أساسية أبناء الطبقة الوسطى والعائلات القيادية داخل الحزب، وتركز على الجمع بين المستوى الأكاديمي المرتفع والتنشئة العقائدية، بينما تضم شبكة “المهدي” ما لا يقل عن 17 مدرسة موزعة على مختلف المناطق اللبنانية، وتخضع لإشراف الوحدة التربوية التابعة للمجلس التنفيذي في الحزب.
ويضيف التقرير أن هذه المدارس تعتمد المناهج الرسمية اللبنانية لضمان نجاح الطلاب في امتحانات “البريفيه” و”البكالوريا”، لكنها تدمج معها، بحسب وصفه، “منهاجاً موازياً” يتناول مفاهيم دينية وسياسية، أبرزها “ولاية الفقيه”، وثقافة “المقاومة”، إلى جانب تدريس سير شخصيات مثل روح الله الخميني، وعلي خامنئي، وحسن نصر الله، باعتبارها نماذج قيادية للأجيال الجديدة. كذلك، يشيرُ التقرير إلى أن بعض الأنشطة المدرسية تتضمن أناشيد وشعارات ذات طابع عقائدي تُقدَّم إلى جانب النشاطات التربوية المعتادة.
ويتناول التقرير الدور الذي تؤديه “كشافة الإمام المهدي”، واصفاً إياها بأنها الذراع الشبابية الأساسية للحزب، إذ يقدّر عدد منتسبيها بنحو 100 ألف عضو من مختلف الفئات العمرية.
ويوضح التقرير أن أنشطة “كشافة الإمام المهدي” تجمع بين البرامج الكشفية والدروس الدينية والأنشطة الرياضية، إضافة إلى تدريبات ذات طابع شبه عسكري، معتبراً أنها تشكل محطة أساسية لإعداد الشباب للانتقال إلى البنية التنظيمية والعسكرية للحزب في مراحل لاحقة.
ولا يقتصر المشروع التربوي، وفق التقرير، على المدارس والكشافة، بل يشمل أيضاً مجلات موجهة للأطفال، وبرامج ثقافية ورياضية، وأنشطة لا صفية تهدف إلى إبقاء الطفل داخل بيئة تربوية واحدة منذ سنواته الأولى وحتى المرحلة الجامعية.
وهنا، يرى التقرير أن هذا النموذج يتيح للحزب بناء ما يسميه “مجتمع المقاومة”، عبر إحاطة الأجيال الجديدة بمنظومة فكرية واجتماعية متكاملة.
وفي الجانب المالي، يشير التقرير إلى أن المؤسسات التعليمية التابعة للحزب تعتمد على شبكة تمويل متعددة المصادر، تشمل الدعم الإيراني، والتبرعات، والاستثمارات، وشبكات رجال الأعمال، إضافة إلى مؤسسات مالية مرتبطة بالحزب، ما يسمح باستمرار هذه المؤسسات رغم الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان.
كذلك، يلفت التقرير إلى أن الأزمة المالية دفعت إدارات المدارس إلى تعديل رسومها الدراسية والاعتماد على مزيج من الدولار النقدي والليرة اللبنانية لتغطية النفقات التشغيلية.
ويخلص التقرير إلى أن نموذج حزب الله يختلف، من وجهة نظر معدّيه، عن نماذج تنظيمات مسلحة أخرى، إذ يعتمد على بناء منظومة اجتماعية وتعليمية طويلة الأمد بدلاً من الاقتصار على التجنيد العسكري المباشر، معتبراً أن الاستثمار في التعليم والتنشئة الفكرية يمثل أحد أهم عوامل استمرارية الحزب، لأنه يرسخ الانتماء الفكري والتنظيمي لدى الأجيال الجديدة، ويضمن استمرار قاعدته الاجتماعية حتى في حال تعرضه لضغوط أو انتكاسات ميدانية.









اترك ردك