هذا التقدير لا يرتبط فقط بالتطورات العسكرية الميدانية، بل يعكس قلقًا إسرائيليًا متزايدًا من مسار سياسي يتشكل تدريجيًا في المنطقة. فخلال الأشهر الماضية سعت الولايات المتحدة واسرائيل إلى فصل الجبهة اللبنانية عن المفاوضات الإقليمية، والتعامل مع ملف جنوب لبنان باعتباره قضية مستقلة مرتبطة بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية على الحدود. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا الفصل بات أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
فالرد الإيراني الذي جاء عقب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت حمل دلالة مختلفة عن كل المراحل السابقة. إذ لم تكتفِ طهران هذه المرة بإصدار بيانات إدانة أو توجيه رسائل سياسية، إنما ردّت عسكريًا على إسرائيل بعد استهداف الضاحية، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لتثبيت معادلة جديدة تربط أمن لبنان مباشرة بمسار المواجهة الإقليمية.
وتعزز هذا المسار مع المواقف الصادرة عن مقر خاتم الأنبياء، الذي لم يحصر تحذيراته بالضاحية الجنوبية فقط، بل أضاف الجنوب اللبناني إلى إطار التهديدات والتحذيرات. وبذلك بدت الرسالة الإيرانية واضحة: الاعتداء على لبنان لم يعد ملفًا منفصلًا عن الحسابات الإقليمية، وأي تصعيد واسع قد يستدعي ردودًا تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها.
هذا التحول يفسر جانبًا من السلوك الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة. فالإنذارات المتكررة بالإخلاء، واتساع رقعة القصف، والاستهدافات التي طالت مناطق مدنية، وصولًا إلى المجزرة التي شهدتها منطقة المساكن الشعبية في مدينة صور، لا تبدو منفصلة عن محاولة إسرائيلية لإعادة فصل الساحة اللبنانية عن المسار الإقليمي الذي تسعى إيران إلى تثبيته.
وتشير قراءة سياسية للمشهد إلى أن تل أبيب تحاول رفع الكلفة السياسية والشعبية لهذا الربط. فمن خلال الضغط العسكري المتواصل واستهداف البنى المدنية وفرض موجات نزوح جديدة، تسعى إسرائيل إلى دفع جزء من الرأي العام اللبناني وخاصة بيئة الحزب نحو تحميل إيران مسؤولية استمرار الحرب، بدل تركيز الغضب على العمليات العسكرية الإسرائيلية نفسها.
لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل تكمن في أن التطورات السياسية تسير في اتجاه مختلف. فالمعلومات المتداولة حول المفاوضات الجارية تشير إلى أن ملف لبنان أصبح حاضرًا بصورة مباشرة على طاولات البحث الإقليمية من جهة وقف اطلاق النار بصورة شاملة.
ولم يعد الحديث يقتصر على ترتيبات جنوب الليطاني أو وقف إطلاق النار، بل بات يشمل موقع لبنان ضمن أي تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران.
وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية مع ما كتبه رونين بيرغمان، أحد أبرز المعلقين الأمنيين الإسرائيليين، حين اعتبر أن حصيلة الساعات الأربع والعشرين الأخيرة لا تُظهر إنجازًا إسرائيليًا واضحًا، بل تكشف ما وصفه بـ”إحراج استراتيجي”.
فبحسب قراءته، أظهرت التطورات حدود القدرة الإسرائيلية على فرض وقائع سياسية جديدة بالقوة العسكرية، وكشفت حجم اعتماد تل أبيب على الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالانتقال من التصعيد المحدود إلى الحرب الواسعة.
كما أظهرت الأحداث، وفق هذا التقدير، أن إيران ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في معادلات المنطقة وفرض حضورها في أي ترتيبات تتعلق بلبنان أو بمستقبل المواجهة الإقليمية. والأهم أنها كشفت الفجوة القائمة بين رغبة بعض الدوائر الإسرائيلية في توسيع نطاق الحرب وبين حرص واشنطن على منع انفجار إقليمي شامل قد ينسف كل مسارات التفاوض القائمة.
من هنا، فإن توصيف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية للبنان باعتباره ساحة القتال الرئيسية لا يعكس بالضرورة نجاحًا إسرائيليًا، بقدر ما يعكس إدراكًا بأن الجبهة اللبنانية عادت لتصبح عقدة أساسية في أي ترتيبات مقبلة. فالمواجهة الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بالصواريخ والغارات، بل بالصراع على شكل النظام الردعي الجديد الذي سيتحكم بالمنطقة خلال السنوات المقبلة.
وفيما تحاول إسرائيل إعادة لبنان إلى خانة الساحة المنفصلة التي يمكن التعامل معها أمنيًا وعسكريًا بمعزل عن الملفات الأخرى، تعمل إيران على تثبيت معادلة معاكسة تعتبر أن أمن لبنان ووقف الحرب عليه جزء لا يتجزأ من أي تفاهم إقليمي شامل.
لذلك، تبدو المعركة الحقيقية اليوم معركة على شكل التسوية المقبلة أكثر منها معركة على الأرض فقط. فإسرائيل تسعى إلى فرض وقائع تسبق أي اتفاق، فيما تحاول إيران تكريس معادلات جديدة تجعل لبنان بندًا ثابتًا على طاولة التفاوض الإقليمي.
وبين المسارين، يتضح أن ما يجري أصبح جزء من صراع أوسع على رسم توازنات الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.











اترك ردك