واقعياً، فإنَّ “التحرير” الذي تحقق يوم 25 أيار عام 2000، أي قبل 26 عاماً، فقدَ رمزيته تماماً بعدما دخل لبنان حرب إسناد غزة عام 2023، فمن هناك كانت الانعطافة الأكبر نحو انخراط لبنان في معركة لم تنتهِ حتى الآن، بل تعمّقت أكثر.
أيضاً، ما زاد الطين بلة هو انخراط “الحزب” في حربٍ جديدة يوم 2 آذار الماضي إسناداً لإيران عندما كانت هناك نقاط خمس تحتلها إسرائيل داخل لبنان قبل التاريخ المذكور، لكن اليوم بات عدد هذه النقاط بالعشرات، فيما خسر لبنان سيطرته على أكثر من 60 بلدة جنوبية.
وفي ظل هذه المناسبة، يأتي الحديث عن اتفاق بين أميركا وإيران لإنهاء حالة الصراع القائمة بين الطرفين. وخلال اليومين الماضيين، كانت الأجواء المرتبطة بالاتفاق “إيجابية” لتأتي بعد ذلك أجواء سلبية تهيمن على المشهد. في المقابل، تبقى هناك مسارات يجري حلها، فيما من المرتقب أن يتم الإعلان عن الخلاصة التي تُنهي الصدام الأميركي – الإيراني وفق شروط وضعها الطرفان.
وسط كل ذلك، يُطرح سؤال محوري: أين لبنان من هذا الاتفاق؟ صحيح أن اسم هذا البلد لُفظ في البنود الأولى للاتفاق، فيما تمت الإشارة إلى أن الأعمال الحربية ستتوقف فيه إثر إعلان التفاهم الإيراني – الأميركي.. ولكن، هل هذا الأمر واقعي وسيتحقق بسهولة؟
من المُستبعد تماماً أن تنتهي الحرب على جبهة لبنان بسهولة تامة، ربطاً بالاتفاق الأميركي – الإيراني الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الدخول حيز التنفيذ، ذلك أن إسرائيل مُنحت تأكيداً على حرية تحرّكها ضدّ أي خطوة يقوم بها “حزب الله” لناحية إعادة تسليح نفسه لاسيما في جنوب لبنان.
هذا يعني، من الناحية الفعلية والعملية، أنّ المناوشات العسكرية ستبقى على حالها، وأن الاستهدافات الإسرائيلية ستستمر، بينما المُحرج في هذا الأمر سيكون “الحزب”، وذلك على صعيدين:
الأول: لا يمكن للحزب الخروج عن عباءة اتفاق إيران التي أرادت “تبريد الجبهة” مع أميركا، وبالتالي فهو سيُدفع إلى وقف إطلاق النار من ناحيته فقط بضغوط من طهران في المرحلة الأولى من الاتفاق، أو أقله “تقليص عملياته” إلى الحد الأدنى التزاماً بما أرادته طهران كـ”بادرة حسن نية” اتجاه أميركا على صعيد وقف الحرب على صعيد الجبهات.
ثانياً: استمرار إسرائيل بالاستهدافات، بضمانات أميركية، يعني عودة لبنان إلى مرحلة ما قبل 2 آذار (أي قبل اندلاع الحرب الحالية)، بينما “الحزب” تحدث عن عدم قبوله بهذا الأمر مراراً وتكراراً. أيضاً، كان أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم قد تحدث أمس عن أن نزع سلاح “الحزب” هو إبادة للبنان، ما يعني أن البند المحوري الذي يشكل نقطة فاصلة في الحرب الحالية، بات خارج التداول بالنسبة للحزب.
وعليه، فإنّ الحرب الحالية ستكون قد عمقت الدمار، ووسعت التوغلات الإسرائيلية وفرضت احتلالاً جديداً، فيما “الحزب” بات أمام ضمانات أميركية قديمة – جديدة مُنحت لإسرائيل بشأن جبهة لبنان، ما يعني أنّ المناوشات ستبقى مستمرة تحت سقف عدم توسيع الحرب باتجاه لبنان ككل، وبالتالي حصرها باستهدافات دقيقة ومحددة، وهذا ما سبق أن مهّد له الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وعليه، فإن اتفاق إيران – أميركا بنتائجه يعني تذليل عقبة مضيق هرمز الذي خنق إقفاله الاقتصاد العالمي، بينما جبهة لبنان هي تفصيل بسيط وغير مهم في المعادلة، إذ أنَّ استمرار التوتر فيه لا يؤثر على الوضع العالمي، ولهذا الحرب ستبقى مستمرة ولن تنتهي بسهولة.
في المقابل، فإنّ ترامب وبحديثه عن أن أي اتفاق لن يكون معارضاً لمصلحة إسرائيل، سيكون قد أكد بشكل غير مباشر أن ما بدأت فيه إسرائيل في لبنان لن ينتهي بلمح البصر، وبالتالي سيكون التركيز أعمق في استهداف “الحزب”، لاسيما أنّ الضربات الدقيقة والاستهدافات تعبرُ مساراً مضت به إسرائيل منذ بدء العام 2024 وهو لم ينتهِ حتى اليوم.











اترك ردك