لكن التطور الأهم يجري في مكان آخر. فواشنطن، بحسب مصادر سياسية، بدأت تتعامل مع الملف اللبناني كجزء من مسار إقليمي أشمل لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران. وما نُقل عن الإدارة الأميركية لجهة العمل على استراتيجية جديدة للشرق الأوسط، تتضمن الدفع نحو تنفيذ الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، يعني أن الجنوب قد ينتقل من خانة إدارة الأزمة إلى محاولة إقفال أحد الملفات المفتوحة منذ السابع من تشرين الأول 2023.
حتى ملف الأسرى لم يعد منفصلًا عن هذه المعادلة. فالإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين عبر الصليب الأحمر، بدفع أميركي، حمل في ظاهره، بحسب مصادر سياسية، طابع بادرة حسن نية، لكنه في جوهره كشف عن تشابك الملف الإنساني مع ملفات أكثر تعقيدًا. فإسرائيل تضع على طاولة التفاوض قضية المفقودين والقتلى الإسرائيليين الذين يُعتقد أنهم دُفنوا في لبنان، وتعيد فتح ملف أملاك اليهود اللبنانيين وتعويضاتهم، فيما تحاول واشنطن تحويل هذه الملفات المتداخلة إلى عناصر يمكن البناء عليها في تسوية أوسع.
في المقابل، يريد لبنان من المفاوضات، بحسب مصادر وزارية، استعادة الأرض وإنهاء الاحتلال أولًا، بينما تدخل إسرائيل التفاوض وهي تحاول إضافة ملفات جديدة إلى جدول الأعمال، بعضها أمني، وبعضها الآخر يتصل بالممتلكات وأرشيف الحرب اللبنانية، ما يعطّل المسار الذي يفترض أن يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.
في المقابل، لا يبدو حزب الله مستعدًا للتعامل مع المسار الأميركي باعتباره مسارًا محايدًا. فاعتراضه على المشروع اللبناني المطروح في الجامعة العربية، وهجومه على ما يراه مساسًا بالتفاهمات الوطنية واتفاق الطائف، يعبّران عن خشية من أن تتحول المفاوضات من معالجة مسألة الاحتلال إلى إعادة رسم التوازنات الداخلية تحت عنوان السيادة وحصرية قرار الدولة.
ورفض النائب إبراهيم الموسوي مشروع قرار أعدّته وزارة الخارجية اللبنانية لطرحه على اجتماع جامعة الدول العربية، معتبرًا أنه يتعارض مع وثيقة الوفاق الوطني واتفاق الطائف، وداعيًا الدول العربية إلى التحفّظ عنه.وانتقد الموسوي بصورة خاصة البنود 2 و3 و5 من مشروع القرار، معتبرًا أنّها تمسّ بالتفاهمات الوطنية التي أرسيت في اتفاق الطائف، ولا سيّما في ما يتعلّق، بحسب موقف”الحزب”، بالقضايا السيادية ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
ودعا الدول الأعضاء في المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية إلى “التنبّه والتحفّظ” على المشروع اللبناني، معتبرًا أنّ إقراره قد يشكّل انقلابًا على مواقف سابقة تبنّتها الجامعة العربية حيال لبنان منذ عام 1989
من جهة أخرى، أصبح قانون العفو العام نافذًا بعد توقيعه من رئيس الجمهورية جوزاف عون، مطويًا بذلك مسارًا طويلًا من السجال السياسي والقانوني. إلا أن إقراره لا ينهي الجدل، إذ تتمسّك قوى سياسية باعتباره حلًا منتظرًا لملف السجناء والموقوفين، فيما تتجه قوى أخرى، أبرزها «التيار الوطني الحر»، إلى الطعن فيه أمام المجلس الدستوري.









اترك ردك