مبادرات تطرح وترحّل… وزيرة الدفاع الفرنسية في بيروت دعما للجيش وعراقجي يتصل ببري

في لحظة تتقاطع فيها خطوط النار مع خيوط التفاوض، لم يعد المشهد اللبناني يقرأ من بيروت وحدها، بل من خرائط إقليمية أوسع تتداخل فيها الجبهات وتتشابك المصالح. فكل مبادرة تطرح ترحل حساباتها إلى ما بعد معركة أكبر لم تتّضح ملامحها بعد.
ضمن هذا المشهد، يبدو المسار الفرنسي أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلها، عبر مقاربة الحد الأدنى الممكن من خلال دعم الجيش ومحاولة تثبيت ما تبقى من مؤسسات الدولة،  لا سبما بعد تجميد المبادرة الفرنسية من الجانب الإسرائيلي. وعليه تتجه الأنظار إلى زيارة مرتقبة لوزيرة الدفاع الفرنسية إلى لبنان، على رأس وفد عسكري رفيع، في سياق تسليم الجيش اللبناني دفعة جديدة من المعدات العسكرية.  وتأتي الخطوة الفرنسية في ظل تصاعد الحرب لإسرائيلية على لبنان، ما يعيد التأكيد على موقع الجيش كركيزة أساسية في حفظ الاستقرار الداخلي. ومن هنا، لا يمكن، بحسب مصادر سياسية، فصل هذا الدعم عن مسار دولي يسعى إلى تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية، ومنع اهتزازها تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والضغوط الأمنية.
وتعكس الزيارة، بحسب المصادر، استمرار الحضور الفرنسي في الملف اللبناني، ليس فقط من بوابة المبادرات السياسية، بل أيضاً عبر الدعم الميداني المباشر. فباريس، التي تدرك حساسية المرحلة، تبدو متمسكة بدور يوازن بين دعم الدولة ومؤسساتها، ومحاولة إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف.
في المقابل، يتحرك المصريون في مساحة أكثر دقة وحساسية، حيث بدت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي  في سياق اختبار المواقف بدل طرح حلول مكتملة، إدراكا لتعقيدات المرحلة، خصوصا في ظل موقف”حزب الله” الذي يربط أي تفاوض سياسي بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، رافضا الانخراط في تسويات قبل اتضاح صورة الصراع الأشمل.
وفي هذا السياق، برزت مواقف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال تواصله مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، حيث شدّد على رفض المساس بسيادة لبنان، مؤكدا ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الإسرائيلية، ورافضا استهداف البنى التحتية المدنية. كما أعاد التأكيد على أهمية تمكين مؤسسات الدولة اللبنانية والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي للقرار 1701، بما يضمن حصر السلاح بيد الدولة وفرض سيادتها على كامل أراضيها.
بالتوازي، حمل الاتصال بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس مجلس النواب نبيه بري دلالاتٍ تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي. فالحديث الذي تناول تداعيات العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، عكس تداخلا واضحا بين الساحات، حيث قدّم عراقجي عرضا للتطورات العسكرية في بلاده، مشيدا بمواقف بري الداعمة للوحدة الوطنية، ومجددا دعم طهران لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، مع التشديد على أهمية التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية.
من جهته، عرض بري صورة الميدان اللبناني، مركزا على تداعيات الهجمات الإسرائيلية، ولا سيما استهداف البنى التحتية وخطر التهجير القسري، ما أعاد وضع الأزمة في إطارها الإنساني والاقتصادي إلى جانب أبعادها الأمنية والسياسية. 
ميدانيًا، تتصاعد المؤشرات إلى نيات إسرائيلية لتوسيع نطاق العمليات، مع حديث عن فرض منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، تمتد لعدة كيلومترات، في إطار مسعى لانشاء  شريط نفوذ دائم. وفي هذا السياق، أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير من داخل جنوب لبنان أن الجيش يقف عند مفترق طرق تاريخي، مشيرًا إلى اعتماد نهج هجومي يهدف إلى تغيير الواقع الأمني جذريًا من طهران حتى بيروت.
على المستوى الرسمي اللبناني، طلب رئيس الحكومة نواف سلام من وزير الخارجية يوسف رجي تقديم شكوى إلى مجلس الأمن على خلفية استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. في المقابل، حذّر نائب رئيس الحكومة طارق متري من أن الهدف الإسرائيلي يتمثل في إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان في الجنوب، مشيرًا إلى أن الاهتمام الأميركي بلبنان لا يزال دون مستوى الوساطة الفاعلة، ومُنبهًا في الوقت نفسه إلى خطورة تحوّل الانقسام السياسي القائم إلى انقسام مجتمعي أعمق.