ويقول التقرير إنه “في ظل الحرب والضغوط المتزايدة على إيران، لم يعد دور حزب الله يُقرأ فقط بوصفه ذراعاً عسكرية ضمن نفوذ إقليمي، بل بات يدخل في معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بحسابات الكلفة والعائد”، وأضاف: “إن طهران، التي لطالما اعتبرت الحزب أحد أهم أصولها الاستراتيجية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي: كيف تحافظ على هذه الورقة من دون استنزافها أو خسارتها؟”.
ووجد التقرير أن “هذا التحوّل لا يعني التخلي عن الحزب، بل يعكس إعادة تقييم دقيقة لوظيفته، في ضوء خسائر الحرب الأخيرة وتغيّر طبيعة المواجهة”، مشيراً إلى أن “إيران لا تنظرُ إلى حزب الله كحليف تقليدي، بل كمنظومة ردع متكاملة وخط دفاع متقدم خارج حدودها”.
وتشير تحليلات صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن الحزب يمثل أحد أهم أدوات التوازن الإقليمي لطهران، سواء في مواجهة إسرائيل أو في إدارة التفاوض غير المباشر مع الغرب.
في هذا السياق، يوضح الخبير في الشؤون الاستراتيجية محمد يوسف النور، أن “إيران لا تتعامل مع حزب الله كأداة استخدام فوري، بل كأصل استراتيجي يجب الحفاظ عليه لتحقيق أعلى عائد ممكن على المدى الطويل”، مشيراً إلى أنَّ الحزب يمثل “ورقة ردع متقدمة وركيزة أساسية في منظومة النفوذ الإيراني”.
ورغم هذه الأهمية، كشفت الحرب الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في كلفة الحفاظ على هذا الأصل؛ فقد تعرض الحزب لضربات قاسية استهدفت بنيته القيادية والعسكرية، في وقت تشير فيه تحليلات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى تراجع قدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق.
ويشير النور إلى أن “الضربات التي تلقاها حزب الله فاقت توقعاته، وشملت استهداف قياداته واختراقات أمنية عميقة، ما رفع كلفة بقائه بهذا الشكل إلى مستويات غير مسبوقة”.
وبحسب االتقرير، فإن هذا الواقع وضع طهران أمام معادلة حساسة بين الحفاظ على الحزب كأصل استراتيجي، وتفادي استنزافه في معارك غير محسوبة.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن إيران تتجه إلى تقليص دور حزب الله بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط كيفية استخدامه. وهنا، يقول النور إنّ “طهران هي التي طلبت من الحزب عدم الانخراط الكامل في حرب الـ12 يوماً عام 2025، في محاولة للحفاظ على قدراته لمعركة أكبر”.
في الوقت نفسه، تشير تقديرات المجلس الأطلسي إلى أن هذا السلوك يعكس تحولاً نحو إدارة أكثر حذراً للأذرع الإقليمية، تقوم على استخدام منخفض الكلفة وتجنب الانخراط في حروب شاملة.
كذلك، يشير النور إلى أنّ “إيران لا تريد فتح جبهة كاملة، بل تسعى إلى استخدام الحزب كورقة ضغط مستمرة ضمن سقف تصعيد مضبوط، يحقق مكاسب دون المخاطرة بخسارته”.
وترافقت هذه المقاربة مع خطوات عملية على الأرض؛ فقد دفعت طهران، وفق تحليلات غربية، نحو إعادة هيكلة داخلية للحزب، شملت تعزيز العمل الأمني وتفكيك البنية التقليدية إلى خلايا أصغر وأكثر مرونة.
ويؤكد النور أن “إيران سارعت إلى إعادة تنظيم الحزب عبر إرسال مستشارين من الحرس الثوري، والعمل على إعادة بناء قدراته بشكل يشبه المراحل الأولى لنشأته، بما يسمح له بالعمل ضمن بيئة أكثر تعقيداً وأقل انكشافاً”، مشيراً إلى أن هذا التحوّل يعكس انتقال الحزب من نموذج “القوة الصلبة” إلى نموذج أكثر مرونة، يتكيّف مع الضربات المستمرة.
وبحسب التقرير، فإنه في جوهر هذا التحوّل، تبرز فكرة “المنفعة الحدية” كإطار لفهم السلوك الإيراني. فالسؤال لم يعد ما إذا كان الحزب مهماً، بل إلى أي حد يظل مردوده أعلى من كلفته؟.
ويرى النور أن “إيران تدرك أن خسارة حزب الله تمثل كارثة استراتيجية، لذلك فهي لن تتخلى عنه، لكنها تعيد تقييم كيفية استخدامه بدقة أكبر، بما يحقق توازناً بين الكلفة والعائد”.
وتدعم هذه القراءة تقديرات “بلومبرغ” التي تشير إلى أن الضغوط الاقتصادية تدفع طهران إلى مراجعة توزيع مواردها بين الداخل والأذرع الخارجية.
مع هذا، لا تشير المعطيات إلى تحوّل جذري في موقع حزب الله داخل الاستراتيجية الإيرانية، بل إلى إعادة تقييم هادئة لوظيفته وأدائه؛ فإيران لا تزال بحاجة إلى الحزب كأداة ردع ونفوذ، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تجنب سيناريو استنزافه أو خسارته. وبين هذين الحدين، تتشكل معادلة جديدة تقوم على استخدام أكثر دقة ومرونة، يوازن بين الضغط العسكري والاعتبارات السياسية والاقتصادية، وفق ما يقول تقرير “إرم”.
وبينما تستمر الحرب، يبدو أن طهران لا تعيد النظر في قيمة حزب الله، بل في كيفية استثماره، وهي معادلة قد تحدد شكل الدور الذي سيؤديه الحزب في المرحلة المقبلة. (إرم نيوز)











اترك ردك