تستعد إيران للانتقال من مرحلة الوحدة التي فرضتها الحرب إلى مرحلة سلام قد تحمل معها انقسامات داخلية وتحديات اقتصادية واجتماعية ثقيلة، من تضخم مفرط وانكماش اقتصادي يقدّر بنحو 10%، إلى انقطاعات في الكهرباء ومطالب بوقف ملاحقة المعارضين.
وقالت صحيفة “ذا غارديان” إن النقاش داخل أوساط النظام الإيراني بشأن مستقبل البلاد بعد الحرب بدأ يظهر تدريجياً، في وقت يسعى فيه قادة طهران إلى ضمان البقاء السياسي في مرحلة السلام، كما فعلوا خلال الحرب.
وتشهد منصات إعلامية ونقاشية داخل إيران جدلاً حول المسار المقبل، بين دعوات إلى مزيد من الانفتاح، وأصوات ترى ضرورة استثمار ما تعتبره كسر صورة “إيران الضعيفة” في الغرب، والتركيز على التنمية وتعزيز الاستقلالية الوطنية.
وبحسب الصحيفة، سيتوقف جانب كبير من مستقبل الاقتصاد الإيراني على مدى استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتخفيف العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة. غير أن اقتصاديين إيرانيين يرون أن أي تخفيف محتمل لن يعوّض إلا جزءاً محدوداً من خسائر تُقدّر بنحو 270 مليار دولار، طالت البنية التحتية والمدارس والطاقة والصلب والإسكان.
وحذر أستاذ علم الاجتماع فؤاد حبيبي من أن أسباب الاحتجاجات الدامية في كانون الثاني الماضي لا تزال قائمة، بل تفاقمت بفعل الحرب، مع تراجع مستويات المعيشة وارتفاع الأسعار وفقدان ما لا يقل عن مليوني شخص وظائفهم بشكل مباشر أو غير مباشر بسبب قيود الإنترنت.
وأشار إلى أن التماسك الاجتماعي الحالي يرتبط بوجود تهديد خارجي مشترك، وقد يتراجع مع زوال هذا العامل، ما يفتح الباب أمام خلافات داخلية أوسع.
ووفق “الغارديان”، يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة ما بعد الحرب وسط أعلى معدلات تضخم غذائي منذ الحرب العالمية الثانية، إذ بلغ التضخم السنوي للمواد الغذائية في أيار نحو 130%، فيما وصل تضخم أسعار اللحوم والدواجن إلى 176%.
كما حذر خبراء صحيون من ارتفاع معدلات سوء التغذية وهشاشة العظام وتأخر النمو لدى الأطفال، نتيجة اضطرار عائلات كثيرة إلى الاستغناء عن منتجات الألبان بسبب ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، كتب وزير الاتصالات الإيراني السابق محمد جهرومي أن “القنبلة القادمة التي قد يلقيها ترامب ونتنياهو ربما لن تكون من البارود، بل من التضخم”، معتبراً أن ساحة المعركة المقبلة ستكون موائد المواطنين وإيجارات المساكن والظروف المعيشية.
من جهته، يواصل الرئيس الإيراني مسعود بازشكيان التحذير من صعوبات اقتصادية مرتقبة، داعياً إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي في المرحلة المقبلة.
وفي قطاع الطاقة، نفت وزارة الطاقة تقارير عن انقطاعات كهربائية مبرمجة لساعتين يومياً اعتباراً من الشهر المقبل، رغم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. لكن رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية أراش نجفي دعا المواطنين إلى الاستعداد لتوقفات يومية للكهرباء حفاظاً على استمرار الإنتاج.
وأشارت الصحيفة إلى أن مؤشرات التذمر الشعبي بدأت تظهر مع التخفيف التدريجي للقيود على الإنترنت، وهي خطوة أثارت جدلاً دفع نواباً محافظين إلى السعي لعزل وزير الاتصالات.
ويرى مراقبون أن المكسب الحقيقي الذي تأمل طهران تحقيقه بعد الحرب لا يقتصر على التسويات السياسية أو النووية، بل يشمل التخلص من القيود الاقتصادية الخانقة. لكن التوقعات تشير إلى أن أي انفراجة مالية محتملة ستبقى محدودة قياساً بحجم الأضرار التي أصابت الاقتصاد الإيراني. (العربية)












اترك ردك