التفاوض يتحول إلى عقيدة رئاسية
يتعامل الرئيس جوزاف عون مع التفاوض باعتباره أكثر من مناورة ظرفية فرضها اختلال ميزان القوى. فهو يقدمه بوصفه تعبيرًا عن عودة الدولة إلى ممارسة وظيفتها الأصلية: التفاوض على أرض لبنان وحدوده وأمنه، واتخاذ القرار وفق ما تراه مناسبًا لمواطنيها. لذلك، حين يقول إن لبنان يفاوض عن نفسه، فهو لا يدافع فقط عن جولة محادثات أو اتفاق إطار، وإنما يحاول تثبيت مبدأ أن السياسة الخارجية والأمنية يجب أن تعود إلى المؤسسات الرسمية.
يحمل هذا الموقف محاولة واضحة لفصل المسار اللبناني عن الحسابات الإقليمية. فقد اعتاد لبنان خلال مراحل طويلة أن تكون قضاياه جزءًا من تسويات أوسع تُدار خارجه، سواء ارتبطت بالمواجهة الإيرانية-الأميركية أو بالصراع الإقليمي مع إسرائيل. من هنا، تحاول الرئاسة اليوم تقديم هذا الفصل باعتباره ممارسة للسيادة، لا خروجًا من الصراع أو تخليًا عن حقوق لبنان. أما الأولوية، وفق هذا المنطق، فهي وقف الحرب، واستعادة الأراضي، وإعادة النازحين، وانتشار الجيش، ثم معالجة بقية الملفات من داخل المؤسسات.
غير أن تحويل التفاوض إلى خيار سيادي دائم يضع عون أمام امتحان صعب. فالخطاب وحده لا يكفي لإقناع اللبنانيين بأن الدولة استعادت قرارها، خصوصًا إذا استمرت إسرائيل في تأخير الانسحاب وفرض الشروط ومواصلة الاعتداءات. بالتالي، فإنّ نجاح هذا الخيار عمليًا يتوقف على قدرته على إنتاج نتائج ملموسة، لأن بقاء الاحتلال سيمنح معارضي التفاوض حجة للقول إن الدولة قدّمت التزاماتها من دون أن تحصل على المقابل.
“حزب الله” ومعركة من يقرر
لكن موقف الحزب يفتح سؤالًا معاكسًا لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة لا تملك وحدها اتخاذ قرار التفاوض، فمن يملك هذا الحق؟ وهل يجوز إبقاء قرار الحرب والسلم مرتبطًا بتقدير قوة حزبية، مهما كان حجم تمثيلها الشعبي أو دورها في مقاومة الاحتلال؟ هنا يصبح الخلاف أعمق من الموقف من إسرائيل، لأنه يطاول طبيعة النظام نفسه والجهة التي تملك إلزام اللبنانيين بخيار أمني أو عسكري تمتد نتائجه إلى البلد كله.












اترك ردك