الجار قبل الدار… إلا في زوطر

أنا ابن زوطر الغربية..
تلك البلدة القابعة على كتف الليطاني، عروس زاهية ألبسوها ثوب النجاة، لكنها لم تعرف للفرح سبيلاً؛ تقف على ضفته وتنظر إلى أختها الشرقية، باكيةً ما حلّ بها، كأن بين الشقيقتين من القرب ما يجعل جرح إحداهما في جسد الأخرى.

ولأنني ابنها، كنت أظن أنني أعرفها.

أعرف من أين تطلع الشمس عليها، ومن أين يأتي المطر، وأيُّ طريقٍ يأخذك إلى النبطية، وأيُّ تلةٍ تراها إذا وقفت عند طرف البلدة، وأين ينتهي البيت ويبدأ الحقل، وأين ينتهي الحقل ويبدأ الوادي.
ثم جاءت الحرب، فعلّمتني قريتي من جديد.
اكتشفت أن للأماكن أسماء أخرى حين تدخلها المدافع.
فالتلة التي كانت تلةً تصبح موقعاً، والطريق الذي كان طريقاً يصبح محوراً، والوادي الذي كان وادياً يصبح خطاً فاصلاً، والبيت الذي كان بيتاً يصبح إحداثية.

حتى الجهات تتغيّر… لم يعد الشرق شرقاً ولا الجنوب جنوباً.
صار الاتجاه هو: من أين جاءت القذيفة؟
وصارت المسافة هي: كم ثانيةً بقيت حتى تقع؟
وأنا، من زوطر الغربية، أرى أحياناً طرفي الحكاية… أرى من أين تخرج النار، ثم أرى أين تقع.
وهذه جملة قصيرة جداً إذا كُتبت، ثقيلة جداً إذا عيشت.
فأن ترى الانفجار أمر، وأن ترى ما قبله أمر آخر.

أن تعرف أن هذه القذيفة التي تعبر الآن فوق هذه الأرض خرجت من هناك، وأن الدخان الذي سيرتفع بعد قليل سيرتفع من مكان تعرفه، فذلك يجعل الحرب شيئاً لا تستطيع إبعاده عنك حتى بالخيال.
فالخيال يحتاج إلى مسافة، ونحن لا مسافة لنا.
العدو أمام العين، والقذيفة أمام العين، والبيت أمام العين، والدخان أمام العين.

ولا شيء بين العين والعين إلا بلادنا.

نراقب الآليات تتحرك، والجنود ينتقلون، ثم نسمع التفجير.
يقولون: “هُدم منزل”.. ويا لبؤس اللغة!

كأن المنزل أربعة جدران وسقف! لا يقول الخبر إن رجلاً قضى عشرين عاماً وهو يبنيه، ولا يقول إن امرأةً كانت تعرف أي بلاطة في المطبخ تتحرك تحت القدم، ولا يقول إن طفلاً رسم على جدار غرفته خطاً صغيراً كل سنة ليعرف كم ازداد طولاً، ولا يقول إن شجرةً عند الباب كانت أكبر من بعض أبناء العائلة.
كل هذا تختصره اللغة في كلمتين: “هُدم منزل”.

أصبحنا نفهم أشياء لم يكن ينبغي للإنسان أن يفهمها، صرنا نعرف أن البيت قد يغيب وتبقى الطريق المؤدية إليه، حتى المفتاح قد يبقى ولا يبقى الباب. 
أيُّ عبثٍ هذا أن تستطيع العودة إلى مكانك، ولا تستطيع العودة إلى بيتك؟

وأيُّ عودةٍ هذه؟
أن تعود أنت ولا يعود المكان.
والأشد غرابة أن الحياة، رغم ذلك، تستمر: نستيقظ، نشرب القهوة، نتحدث، نعمل.

ثم تمر آلية في الجهة المقابلة فننظر إليها، يقع انفجار فنصمت لحظة، يرتفع الدخان فنحاول معرفة المكان، ثم نكمل الحديث.

وهذا أكثر ما يخيفني في الحرب: ليس أن يصبح الموت عادياً، بل أن تضطر أنت إلى أن تصبح عادياً أمامه كي تستطيع أن تعيش.
لكنني لم أعتد، ولا أريد أن أعتاد.
لا أريد أن يصبح مشهد منزل يُنسف أمامي جزءاً من تفاصيل النهار، ولا أن تصبح أصوات المدافع ساعةً نعرف بها الوقت.

هذه أرضنا.
وهذه الجملة، على بساطتها، أصبحت تحتاج إلى كل هذا الشرح.
أنا ابن زوطر الغربية…
أقف هنا، وأنظر إلى هناك..
ويا لثقلها هنا…