ومع تضارب الروايات بين الحديث عن منع مسبق ونفي صدور أي قرار، تطرح مسألة قانونية تتعلق بمدى حق العسكري في الخدمة الفعلية، ولا سيما المسؤول الأمني، في المشاركة في مناسبات قد تحمل طابعًا سياسيًا، حتى ولو بلباس مدني وبصفته الشخصية. فهل كان حضور العميد سليمان مخالفًا للقانون في حال عدم وجود أي منع رسمي؟ وماذا يتغيّر قانونيًا في حال ثبوت صدور توجيه واضح ومبلّغ إليه بعدم المشاركة؟
الأستاذ الجامعي والخبير الدستوري عادل يمين، أوضح في حديث لـ “لبنان 24″، إن قانون الدفاع الوطني، وتحديدًا تحت عنوان “الأعمال المحظّرة” في فصل “الانضباط العام” يحظر على العسكريين في الخدمة الفعلية، تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القوانين والأنظمة النافذة، الانتساب إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات، وحضور الاجتماعات السياسية والحزبية والنقابية.
لكن المسألة الأدق، بحسب يمين، هي تحديد ما إذا كانت المناسبة التي حضرها العميد سليمان تُصنّف قانونًا على أنها “اجتماع سياسي أو حزبي”، وهو ما يشكّل موضع الجدل الحقيقي. إذ قد يُحتجّ في المقابل بأن المناسبة تأبينية، وتحمل طابعًا دينيًا أو وجدانيًا، ما يجعل توصيفها القانوني عنصرًا أساسيًا في تحديد مدى انطباق النص عليها.
وفي هذا السياق، تبرز أيضًا مسألة التسلسل الهرمي داخل المديرية العامة لأمن الدولة، التي تخضع لسلطة المجلس الأعلى للدفاع، وتابعة لرئيسه، أي رئيس الجمهورية، ولنائب رئيسه، أي رئيس مجلس الوزراء. كما أن نائب المدير العام يُعيّن بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء، ويحلّ محلّ المدير العام في حال غيابه.
وعن اعتبار البعض ان المشاركة قد تخالف القانون أو الانظمة العسكرية، يوضح يمين أن المسؤولية المسلكية أو التأديبية هي الأساس. وتشمل العقوبات الخفيفة الملاحظة والتأنيب والتوقيف، وهي عقوبات يفرضها المدير العام بصفته الرئيس التسلسلي المباشر، وفق نظام التأديب الخاص بالمديرية.
أما العقوبات الجسيمة، فقياسًا على قانون الدفاع، تُفرض على الضباط بمرسوم بناءً على اقتراح الوزير المختص، المبني على قرار المجلس التأديبي. ويمتد سلّم العقوبات، وفق المادة 62، من الملاحظة الشفوية إلى تأخير الترقية، والانقطاع عن الخدمة، والإحالة على التقاعد تأديبيًا، وصولًا إلى التسريح التأديبي.
ويشير يمين إلى أن قرارات المجلس التأديبي تتمتع بصفة قضائية، ويمكن استئنافها أمام محكمة التمييز العسكرية خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ التبليغ.
أما احتمال إعفاء العميد سليمان من منصبه كنائب للمدير العام، فيختلف عن العقوبة التأديبية، إذ يُعدّ تدبيرًا إداريًا وليس عقوبة مسلكية. وعملاً بقاعدة “موازاة الصيغ”، يعود إلى مجلس الوزراء، الذي عيّنه، أن يعفيه من مهام نائب المدير العام بمرسوم مماثل، بناءً على اقتراح رئيس الحكومة.
ويرى يمين أن هذا المسار هو الأكثر حساسية عمليًا، نظرًا إلى أن المنصب يخضع لتوازنات طائفية وسياسية معروفة.
أما المسؤولية الجزائية، فيستبعدها يمين لمجرد حضور المناسبة، معتبرًا أنها قد تُطرح فقط في حال ثبوت وجود أمر أو تعميم صريح ومبلّغ إلى الضابط يمنع المشاركة. عندها يمكن البحث في مدى انطباق الجرائم المتعلقة بمخالفة الأوامر والتعليمات العسكرية، وفق قانون القضاء العسكري، أمام المحكمة العسكرية.
وحتى في هذه الحالة، يوضح يمين أنه إذا كان الجرم ناتجًا عن الوظيفة، فلا يُلاحَق المتطوع إلا بعد صدور الإذن بملاحقته من المرجع المختص.
وبذلك، لا يبدو أن ارتداء العميد سليمان اللباس المدني أو حضوره بصفة شخصية يحسم وحده المسألة القانونية، إذ يبقى الحسم مرتبطًا بطبيعة المناسبة نفسها، وما إذا كانت تُعتبر اجتماعًا سياسيًا أو حزبيًا، إضافة إلى معرفة ما إذا كان قد صدر توجيه رسمي وصريح يمنع المشاركة، وما إذا كان هذا التوجيه قد أُبلغ إليه.
وبين الحق الشخصي للعسكري وواجب الالتزام بالانضباط والحياد الوظيفي، تبقى المسؤولية القانونية مرتبطة بتوافر عناصر المخالفة، وبالجهة المختصة بتحديدها واتخاذ الإجراء المناسب.











اترك ردك