آخر صانع لأجراس الكنائس في لبنان.. تقرير بريطاني يروي حكاية عائلة تتمسّك بإرث عمره 300 عام

وأشار التقرير إلى أن عائلة نفّاع كانت تمتلك في السابق عشرة مسابك لصناعة الأجراس، إلا أن هذه المسابك تراجعت مع مرور الزمن، ولم يبقَ سوى ورشة واحدة تديرها العائلة في بيت شباب، لتصبح مركز الإنتاج الأخير لهذه الصناعة في لبنان.

ولا تقتصر أهمية الورشة على تلبية احتياجات الكنائس اللبنانية، إذ تشكّل أيضاً مصدراً للأجراس التي تستخدمها كنائس في مناطق واسعة من الشرق الأوسط، إضافة إلى كنائس تخدم أبناء الجاليات اللبنانية في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.

 
وتقع الورشة أسفل منزل العائلة، على طرف تلة تطلّ على أسطح بيت شباب ذات القرميد الأحمر، وعلى الساحل اللبناني الممتد أسفلها. وتبعد البلدة نحو نصف ساعة بالسيارة عن بيروت، وتشكّل ملاذاً من صخب العاصمة، كما بقيت بعيدة نسبياً عن بعض مظاهر العنف التي شهدتها البلاد خلال حروبها الأخيرة.

وفي داخل الورشة، تبدو آثار العقود الطويلة واضحة على الجدران والسقف الذي اسودّ بفعل الدخان المتصاعد من الفرن، فيما تنتشر الأجراس والقوالب في مراحل مختلفة من التصنيع والإصلاح.

 

وتجمع الورشة بين الأدوات الحديثة والتقنيات التقليدية؛ إذ توجد فيها مكابس هيدروليكية إلى جانب سندان قديم، فيما تُكدّس في الخارج طبقات من الطين الأبيض الممزوج بشعر الماعز، الذي يُستخدم في إعداد القوالب اللازمة لصبّ المعدن.

ونقل التقرير عن نفّاع تأكيده أهمية نقل هذه المهنة إلى أبنائه، مشيراً إلى أن استمرارها مسؤولية عائلية لا يمكن التخلي عنها بعد مرور 300 عام على بدايتها. واستعاد صورة والده الذي كان يواصل الذهاب إلى الورشة حتى عندما أصبح بالكاد قادراً على المشي.

 
شهران لصناعة جرس واحد

وأوضح التقرير أن صناعة الجرس الواحد تستغرق نحو شهرين، وتتطلب عملاً دقيقاً في مراحل متعددة، تبدأ بإعداد القالب الداخلي، الذي يستغرق نحو 40 يوماً، ثم إعداد القالب الخارجي خلال شهر تقريباً.

ويُصنع القالب باستخدام الطين الأبيض الممزوج بشعر الماعز، وتُضاف إليه النقوش والزخارف والصلبان والرموز الدينية، فضلاً عن اسم الورشة أو توقيعها، قبل الانتقال إلى مرحلة صبّ المعدن.

أما المرحلة الأخيرة، وهي صبّ الجرس، فتُنجز بوتيرة أسرع. إذ يُسخّن المسبك باستخدام الحطب، ثم يوضع خليط من النحاس والقصدير داخل الفرن ليذوب على مدى نحو 24 ساعة. وبعد وصول المعدن إلى الحالة المطلوبة، يُسكب في القالب، حيث يتصلّب خلال نحو ثلاث دقائق. وبحسب التقرير، تنتج الورشة قرابة 25 جرساً سنوياً، يذهب نحو 20 منها إلى كنائس داخل لبنان، فيما يعتمد السعر بصورة أساسية على وزن الجرس وحجمه.

وتبلغ كلفة كل 100 كيلوغرام من الجرس نحو 8 آلاف دولار، في حين يصل سعر الجرس المتوسط، الذي يزن قرابة طن واحد، إلى نحو 80 ألف دولار.

ولا يتعامل نفّاع مع الأجراس باعتبارها منتجات معدنية فحسب، بل ينظر إلى كل قطعة على أنها ثمرة عمل طويل وجهد شخصي. وقد أشار إلى أحد القوالب التي كانت تُنقش عليها الصلبان، موضحاً أن الجرس يحمل جزءاً من جهده وروحه، وأن تسليمه إلى صاحبه يثير لديه مشاعر الحزن، وكأنه يتخلّى عن أحد أبنائه.

ولفت التقرير إلى أن الأجراس التي تصنعها العائلة تحمل أسماء الأشخاص الذين شاركوا في صناعتها، إلى جانب أسماء الجهات التي طلبتها، ما يجعلها بمثابة سجلات تاريخية تحفظ أسماء الحرفيين والكنائس التي استُخدمت فيها.

وفي الورشة، توجد أجراس أُعيدت إلى العائلة لإصلاحها، يعود بعضها إلى عامَي 1910 و1932، وتحمل أسماء أجداد نفّاع. ومن بين النقوش التي عُثر عليها اسم “سليمان نفّاع وأبناؤه”، وهو اسم جدّ العائلة. كما أشار التقرير إلى أن أقدم جرس معروف لا يزال يحمل اسم العائلة يعود إلى عام 1725، وهو موجود في بلدة قلعة صهيون.

وتساعد هذه العلامات العائلة على تتبّع تاريخ أعمال أجدادها عبر الكنائس المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، من الشمال إلى الجنوب، حيث لا تزال بعض الأجراس شاهدة على عقود طويلة من العمل الحرفي. 

 
الابنان يستعدّان لمواصلة إرث العائلة


وأكد التقرير أن نفّاع وابنيه شربل ويوسف مصمّمان على الحفاظ على هذه الحرفة، رغم التحديات المرتبطة باستمرار الصناعات التقليدية وتراجع عدد الورش المتخصصة فيها. ومن المقرر أن يتولى شربل إدارة المسبك خلفاً لوالده، فيما يساعد يوسف في العمل عندما تسمح له التزاماته الدراسية في كلية الطب بذلك.

ويعكس موقف الابنين تمسّك العائلة بإرثها، إذ قال يوسف إنه مستعد لترك دراسة الطب وتولّي إدارة المسبك إذا قرر شربل في المستقبل عدم مواصلة صناعة الأجراس. ويشير التقرير إلى أن هذا الارتباط بالحرفة يتجاوز مسألة العمل أو المهنة، ليصبح جزءاً من الهوية العائلية والذاكرة المشتركة التي تربط الأجيال المتعاقبة.

وفي بيت شباب، حيث تضم البلدة ست كنائس، يقول يوسف إنه يستطيع التمييز بين أجراسها من خلال أصواتها وحدها، حتى لو قرعت جميعها في الوقت نفسه. ويؤكد يوسف أن التقاليد مهمة بالنسبة إلى عائلته، مشيراً إلى أنهم يعيشون هذا الإرث يومياً داخل الورشة، في محاولة للحفاظ على حرفة استمرت ثلاثة قرون، وضمان ألا تنتهي مع رحيل الجيل الحالي.