المشكلة لم تعد محصورة في الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، بل في النتائج التي تترتب عليها. فالجنوب يعيش اليوم تحت وطأة واقع تتراجع فيه مقومات الحياة تدريجياً، فيما تتقدم الاعتبارات الأمنية على أي محاولة جدية لإعادة الإعمار أو تحريك العجلة الاقتصادية. وهذا ما يجعل الحديث عن عودة الأهالي منفصلاً، في كثير من الأحيان، عن الظروف الفعلية التي تنتظرهم على الأرض.
العودة المؤجلة… والواقع الأكثر تعقيداً
تختلف الصورة بين منطقة جنوبية وأخرى. ففي حين استعادت بعض المدن والبلدات جزءاً من حركتها الاقتصادية والاجتماعية، لا تزال مناطق حدودية واسعة عاجزة عن استعادة سكانها، إما بسبب الدمار، وإما نتيجة استمرار المخاطر الأمنية وغياب الخدمات الأساسية.
وتعكس تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال تشرين الأول الماضي حجم هذا التفاوت، إذ بلغت نسبة العودة في قضاء مرجعيون نحو 34%، مقابل 56% في النبطية.
لكن هذه الأرقام تطرح سؤالاً يتجاوز مسألة العودة نفسها: ما قيمة عودة السكان إذا لم تتوافر لهم القدرة على البقاء؟
فالعودة لا تقتصر على فتح المنازل وإزالة الركام، بل تحتاج إلى دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من تأمين الخدمات ولا تنتهي عند توفير فرص العمل. وهذا ما يبدو غائباً عن العديد من المناطق التي تضررت بنيتها الاقتصادية والاجتماعية بصورة عميقة.
استنزاف بلا حرب شاملة
الأخطر في المشهد الجنوبي أن استمرار الوضع الراهن قد يتحول بحد ذاته إلى عامل ضغط طويل الأمد. فالعمليات العسكرية المحدودة، مهما اختلف حجمها، تترك تأثيراً يتجاوز نتائجها المباشرة، لأنها تعيد إنتاج الخوف وتمنع الاستثمارات وتدفع السكان إلى تأجيل قرارات العودة أو إعادة بناء مؤسساتهم.
ومن هنا، يمكن قراءة الواقع الجنوبي باعتباره أزمة استنزاف تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والديموغرافية. فالأراضي الزراعية التي يتعذر الوصول إليها تفقد تدريجياً دورها الإنتاجي، والمؤسسات التي توقفت عن العمل تواجه صعوبة في استعادة نشاطها، فيما تزداد احتمالات استقرار العائلات النازحة خارج قراها مع مرور الوقت.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن المسار السياسي العام. فغياب تسوية واضحة بشأن الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية يجعل مشاريع إعادة الإعمار عرضة للتعثر، ويترك مستقبل المناطق الحدودية مرتبطاً بتوازنات لا يملك السكان التأثير المباشر فيها.
من يملك قرار الاستقرار؟
هنا تبرز العقدة الأساسية. فلبنان يريد استعادة سيادته على كامل أراضيه، فيما تتمسك إسرائيل بمقاربتها الأمنية التي تتيح لها مواصلة عملياتها العسكرية. وبين الموقفين، لا تزال الجهود الدبلوماسية عاجزة عن إنتاج ضمانات كافية تمنع تكرار التصعيد.
وفي المقابل، يصبح الجيش أمام مسؤوليات متزايدة، لا تتعلق بالانتشار العسكري وحده، وإنما بتوفير الظروف التي تسمح بعودة المؤسسات والسكان، وهي مهمة يصعب فصل نجاحها عن أي تفاهم سياسي يحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
ولذلك، لا يبدو السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت الحرب ستعود، بل ما إذا كان استمرار الوضع القائم سيؤدي إلى تكريس واقع جديد في الجنوب، تصبح فيه العودة جزئية والاستقرار مؤقتاً وإعادة الإعمار رهينة التطورات الأمنية.
فالخطر لا يكمن فقط في مواجهة عسكرية واسعة قد تندلع، وإنما في استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، بما يسمح بتآكل مقومات الحياة من دون الحاجة إلى حرب شاملة.
وبهذا المعنى، فإن الجنوب لا يخوض معركة إعادة الإعمار فحسب، بل معركة الحفاظ على مجتمعه واقتصاده وحضوره السكاني. وهي معركة قد تكون نتائجها بعيدة المدى، حتى لو لم تتغير الخطوط العسكرية القائمة على الأرض.
جنوب لبنان كما هو… أرض معلّقة بين الحرب والعودة

ليس الجنوب أمام مرحلة جديدة بقدر ما هو أمام امتداد لمرحلة لم تنتهِ بعد. فلا الحرب توقفت بما يسمح باستعادة الحياة الطبيعية، ولا الترتيبات السياسية والأمنية بلغت مستوى يتيح الحديث عن استقرار فعلي. وبين هذين الواقعين، تتشكل معادلة أكثر تعقيداً، عنوانها إبقاء المنطقة في حالة استنزاف مفتوحة، لا تبلغ بالضرورة حدود المواجهة الشاملة، لكنها تمنع في الوقت نفسه العودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك