اشتراك وصهريج وقناني: كم يدفع اللبناني فعلاً ليحصل على الماء؟

لا تعكس فاتورة الاشتراك السنوي في مؤسسة المياه الكلفة الحقيقية التي تتحملها الأسرة اللبنانية لتأمين حاجتها من الماء، فدراسة حديثةنشرتها “unhcr” تحت عنوان”lebanon Response Plan: WASH Sector Dashboard” شملت 105 أسر أظهرت أنّ الاشتراك الرسمي يبلغ نحو 200 دولار سنوياً للأسرة، فيما تصل الكلفة الفعلية لتأمين المياه من مختلف المصادر إلى نحو 2,124 دولاراً، أي أكثر من عشرة أضعاف ما تتقاضاه المؤسسة، بعدما تحوّل الصهريج ومياه الشرب المعبأة والفلاتر ومضخات الرفع إلى بنود ثابتة في موازنة المنزل.

 
وتكشف الأرقام نفسها أنّ الاشتراك في الشبكة العامة لم يعد يعني الاكتفاء بها، إذ تحصل نحو 68 في المئة من الأسر المشمولة على المياه من مؤسسات المياه، لكنّ أكثر من 41 في المئة منها تشتري أيضاً مياه الصهاريج لتعويض النقص، وترتفع هذه النسبة إلى 66 في المئة في بيروت، ما يعني أنّ كثيراً من العائلات تدفع فاتورتين لخدمة واحدة، الأولى للدولة مقابل تغذية متقطعة، والثانية لسوق خاصة تملأ الفراغ بأسعار تتحرك بحسب الموسم والمنطقة، وقد بلغ سعر الصهريج في بعض المناطق هذا الصيف 120 دولاراً أو أكثر، من دون أي تسعيرة موحدة.
 
غير أنّ الأخطر من حجم الفاتورة هو أنّ القدرة على الدفع باتت تحدد كمية المياه ونوعيتها، فالأسر في الأبنية الكبيرة القادرة على استقبال صهاريج أكبر وتخزين كميات أكثر تدفع سعراً أدنى لكل ليتر، إذ تراوح السعر في الدراسة بين 0.0036 دولار لليتر في فردان و0.0048 دولار في عائشة بكار، أي أنّ الأسر الأقل قدرة تدفع ثمناً أعلى مقابل كميات أقل، فيما تضطر عائلات كثيرة إلى شراء مياه من مصادر لا تخضع لأي رقابة على جودتها، أو إلى تقنين استهلاكها إلى حدود تمسّ النظافة والصحة.
 
ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه قدرة القطاع العام على تحسين الخدمة، فبيانات قطاع المياه والصرف الصحي ضمن خطة الاستجابة للبنان، تُظهر أنّ التمويل المتاح حتى نهاية أيلول لم يتجاوز 37.5 في المئة من الاحتياجات المقدرة بـ257 مليون دولار، حتى مع احتساب نحو 35 مليون دولار مرحّلة من العام الماضي، فيما لم يتجاوز تمويل المرحلة الممتدة من أيلول حتى نهاية العام نسبة 0.65 في المئة، علماً أنّ جزءاً من هذه الأموال يُستخدم لتزويد محطات الضخ بالمازوت وإجراء الإصلاحات الطارئة، أي أنّ نقص التمويل ينعكس مباشرة على ساعات الضخ في المنازل.

 
ويزيد من هشاشة الوضع أنّ قرار مؤسسة كهرباء لبنان قطع التيار عن المؤسسات العامة المتخلفة عن الدفع يشمل مصالح المياه نفسها، ما قد يقلّص قدرتها على الضخ ويدفع مزيداً من الأسر نحو الصهاريج، في قطاع يخسر أصلاً نحو 40 في المئة من مياهه عبر التسربات وضعف الصيانة، بعدما ذهب الجزء الأكبر من نحو 5 مليارات دولار أُنفقت على القطاع خلال العقود الماضية إلى السدود، في مقابل مبالغ محدودة لصيانة الشبكات.
 
ومن هنا، يكشف حساب الفاتورة الحقيقية أنّ المياه في لبنان خُصخصت عملياً من دون قرار رسمي، وأنّ كلفة تحسين التغذية العامة، من صيانة الشبكات وتأمين الطاقة لمحطات الضخ، قد تبقى أدنى بكثير مما تدفعه الأسر مجتمعة للبدائل الخاصة كل عام، ما يجعل السؤال الأساسي ليس عن قدرة الدولة على التمويل، بل عن كلفة استمرار غيابها، التي يدفعها المواطن من دخله وصحته في آن.