الحوار الأميركي مع “الحزب”: ماذا تريد واشنطن وماذا تريد”حارة حريك”؟

لم تعد فكرة التواصل الأميركي مع حزب الله مجرد احتمال يُطرح في الكواليس، بعدما انتقلت خلال الفترة الأخيرة إلى الخطاب العلني الأميركي. فمن دون أن تتحول إلى مسار تفاوضي واضح، بدأت واشنطن تترك إشارات متتالية إلى إمكان فتح قناة مع “الحزب”، بما يطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة هذا الانفتاح: هل هو تمهيد لحوار سياسي، أم محاولة جديدة لاختبار موقف “الحزب” والضغط عليه من بوابة مختلفة؟

 

بدأ المسار مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب، الذي تحدث عن إمكان التحدث مع “الحزب”، ثم جاءت مواقف المبعوث الأميركي توم باراك والسفير ميشال عيسى لتمنح الفكرة مزيداً من الوضوح، قبل أن تعيد وزارة الخارجية الأميركية التأكيد أن التفاوض الرسمي يبقى من صلاحية الدولة اللبنانية.

 

لكن الإشكالية الأساسية تكمن في الشروط التي ترافق الدعوة الأميركية. فواشنطن تتحدث عن الحوار، فيما تربطه بتنازل مسبق من “الحزب”، وفي مقدمته مسألة السلاح، وعندها يصبح السؤال أكثر تعقيداً اذا كانت الورقة الأساسية مطلوبة قبل الجلوس إلى الطاولة، فما الذي سيبقى موضوعاً للتفاوض؟

 

مع ذلك، فإن أهمية الإشارات الأميركية لا ترتبط بمدى قرب عقد لقاء مباشر بين الجانبين، بقدر ما تكمن في التحول الذي طرأ على فكرة التواصل نفسها، فواشنطن، التي تصنف حزب الله منظمة إرهابية وتفرض عقوبات عليه وعلى شبكات مرتبطة به، باتت تناقش علناً إمكان فتح قناة معه، ولو بشروط وحدود واضحة.

 

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الاتصالات غير المباشرة لم تكن وليدة التصريحات الأخيرة، فقد وصلت خلال الفترة الماضية رسائل أميركية إلى “الحزب” عبر وسطاء ودول ، تناولت رؤيته لمستقبل لبنان والمنطقة، وموقفه من التسويات المحتملة، ومصير سلاحه. وفي المقابل، ينفي الحزب حصول تواصل رسمي مباشر مع الأميركيين، سواء في إسلام آباد أو تركيا.

 

غير أن نفي الاتصال المباشر لا يعني أن فكرة الحوار غير مطروحة داخل الحزب، فالمسألة تخضع لنقاش بين من يرى أن رفض أي تواصل مسبقاً قد يحرم “الحزب” من فرصة اختبار النيات الأميركية وإيصال موقفه مباشرة، ومن يعتبر أن الانفتاح الأميركي قد يكون مجرد مناورة سياسية تهدف إلى انتزاع ما عجزت الضغوط والحرب العسكرية والعقوبات عن تحقيقه.

 

وهنا تبرز نقطة أكثر جوهرية، ف”الحزب” لا يناقش فقط ما إذا كان سيحاور الأميركيين، بل ماذا سيحصل عليه في المقابل، فدعوة الحوار ، لا تكفي إذا بقيت واشنطن على مواقفها من الحرب الإسرائيلية، والعقوبات، وتصنيف “الحزب”، وشروط التسوية المطروحة للبنان.

 

ولهذا السبب، فإن أي تغيير أميركي في هذه الملفات سيكون أكثر تأثيراً من مجرد إعلان الرغبة في التواصل، وفي أوساط قريبة من الثنائي الشيعي، تُطرح قراءة مفادها أن التصنيفات والعقوبات الأميركية ليست بالضرورة نهائية، مستنداً إلى تجارب إقليمية انتقلت فيها أطراف وشخصيات كانت مصنفة إرهابية إلى موقع التعامل السياسي الرسمي بعد تبدل الظروف. ويستشهد في هذا السياق بحالة الرئيس السوري أحمد الشرع، لا باعتبارها نموذجاً مطابقاً للحالة اللبنانية، وإنما كمثال على قدرة السياسة الأميركية على إعادة النظر في مواقفها عندما تفرض الوقائع الجديدة نفسها.

 

ولا تبدو تجربة الاتصالات الأميركية مع حماس ومنها اللقاءات التي جرت مع جاريد كوشنر في القاهرة، بعيدة عن هذا السياق. فهي تعكس اتجاهاً أميركياً لاختبار قنوات مع قوى كانت واشنطن تتعامل معها سابقاً باعتبارها خارج المسار السياسي المباشر. لكن الحالة اللبنانية أكثر تعقيداً.

 

ومن هذه الزاوية، لا ينظر مصدر سياسي إلى الحوار بالضرورة باعتباره مدخلاً إلى تنازلات، بل كأداة يمكن استخدامها لتثبيت موقع “الحزب” السياسي في أي تسوية مقبلة، ومعرفة ما الذي تستطيع واشنطن تقديمه فعلياً في المقابل.

 

ولا شك أن لدى واشنطن مصلحة في منع انهيار المسار اللبناني ـ الإسرائيلي والحفاظ على المفاوضات واتفاق الإطار ضمن سقف يمكن التحكم به. وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للانفتاح الأميركي لن يكون في تكرار الحديث عن الحوار، بل في طبيعة العرض الذي يمكن أن تقدمه واشنطن إذا قررت الانتقال من الرسائل إلى التواصل. ف”الحزب”، وفق النقاش الجاري داخله، لا يبدو معنياً بحوار يبدأ من نتيجة محسومة سلفاً.