ولا يمكن فصل هذا التحول عن رغبة القوات في إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، وتحديدا مع المملكة العربية السعودية. فالحزب الذي بدا خلال مراحل سابقة أقل اندفاعا نحو إظهار ارتباطه السياسي بالرياض، لأسباب متعددة تتصل بالحسابات الداخلية والإقليمية، بات اليوم أكثر حرصا على إبراز التقارب معها، وعلى تقديم نفسه باعتباره الطرف اللبناني الأكثر وضوحا وثباتا في مواجهة “حزب الله”.
ومن هنا، يمكن فهم الحملة السياسية التي بدأتها “القوات”، والتي لم تعد تقتصر على مواجهة “الحزب”، بل باتت تشمل أيضا رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. إذ يبدو أن “القوات” تسعى إلى المزايدة عليهما في ملف التعامل مع “حزب الله”، وإظهار أن المقاربة التي يعتمدها الرئيسان لا ترقى إلى مستوى المواجهة المطلوبة مع “الحزب”.
ولعل انسحاب وزراء “القوات” من جلسة مجلس الوزراء، على خلفية عدم إحالة قضية شاحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي، يشكل أحد أبرز المؤشرات إلى طبيعة هذا التوجه الجديد. فالخطوة، بمعزل عن خلفياتها القضائية والسياسية، حملت رسالة واضحة مفادها أن “القوات” لا تريد أن تكون شريكة في أي تسوية أو مقاربة تعتبرها متساهلة مع “الحزب”، حتى لو أدى ذلك إلى توتير علاقتها برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
ولا يتوقف الأمر عند المواقف الرسمية، إذ يمكن ملاحظة تصاعد حملة إعلامية عبر منصات محسوبة على “القوات” أو قريبة من توجهاتها السياسية، تستهدف بصورة متزايدة أداء عون وسلام، وتتهمهما بالتردد والتساهل في التعامل مع “حزب الله”. وهذا يعني أن “القوات” لم تعد تكتفي بالتمايز السياسي عن السلطة، بل بدأت تسعى إلى إحراجها أمام الرأي العام، ولا سيما الجمهور المسيحي.
وفي الحسابات الداخلية، قد يكون لهذا التوجه أكثر من هدف. فالقوات تدرك أن رفع سقف المواجهة مع “حزب الله” يساعدها على شد العصب المسيحي وإعادة تعبئة قاعدتها الشعبية، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية واحتدام المنافسة على التمثيل المسيحي. كما أن إظهار التمايز عن رئيس الجمهورية قد يمنحها مساحة أوسع للتحرك السياسي، بعدما أصبح عون يحظى بدعم خارجي واسع.
أما إقليميا، فتبدو “القوات” معنية بإعادة تحسين علاقتها بالسعودية، وتقديم نفسها شريكا سياسيا يمكن الاعتماد عليه في المرحلة المقبلة. وينسحب الأمر نفسه على الولايات المتحدة، وإن كانت الحسابات الأميركية تبدو مختلفة نسبيا، في ظل تفضيل واشنطن التعامل المباشر مع المؤسسات الدستورية اللبنانية، وتحديدا رئيس الجمهورية جوزيف عون، بدلا من حصر رهاناتها بالأحزاب السياسية.
وعليه، فإن “القوات اللبنانية” تبدو أمام محاولة جدية لإعادة التموضع، تقوم على الجمع بين التصعيد ضد “حزب الله”، والمزايدة على السلطة، واستعادة الزخم الشعبي، وتعزيز حضورها لدى القوى الإقليمية والدولية. لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى مرتبطا بقدرتها على تحويل هذا التصعيد إلى مكاسب سياسية فعلية، من دون أن يؤدي إلى عزلها عن مراكز القرار أو إضعاف قدرتها على التأثير داخل السلطة نفسها.












اترك ردك