نتنياهو استحضر”البيجر” في الأمم المتحدة.. ما رسالته إلى لبنان؟

لم يحتج بنيامين نتنياهو إلى إعلان حرب جديدة على لبنان كي يبعث برسالته. اكتفى برفع جهاز “البيجر” أمام الجمعية العامة، مستعيداً العملية التي استهدفت عناصر من “حزب الله”، وواضعاً لبنان في خلفية خطابٍ اتسع للحديث عن إيران وحلفائها، لكنه خلا من أي طرح واضح بشأن الانسحاب أو التسوية.



أراد نتنياهو من اختيار الجهاز تقديم العملية بوصفها دليلاً على قدرة إسرائيل على اختراق بنية خصومها والوصول إليهم بوسائل غير تقليدية. وفي هذا الاستعراض رسالة ردع، لكنها أيضاً رسالة سياسية: إسرائيل لا ترى ما جرى محطة انتهت، بل نموذجاً لما يمكن أن تستند إليه في مواجهاتها المقبلة.

الأهم في الخطاب كان وصف نتنياهو حلفاء إيران بأنهم “يعيدون ترتيب صفوفهم” لاستهداف إسرائيل. فهذه العبارة توسّع تعريف التهديد؛ إذ لا تحصره بإطلاق الصواريخ أو تنفيذ هجوم، بل تجعله مرتبطاً بأي محاولة لإعادة بناء القدرات أو ترميم البنية التنظيمية والعسكرية. وعندما تُترك هذه المعايير مفتوحة، يصبح تقدير إسرائيل وحدها لما يشكّل خطراً، هو المدخل لاستمرار الضربات.

هذا المنطق ليس جديداً في الموقف الإسرائيلي من لبنان. ففي تصريحات سابقة، قال نتنياهو إن إسرائيل لا تعتبر الوضع القائم وقفاً كاملاً لإطلاق النار، مؤكداً استمرار استهداف حزب الله”. لكن إعادة طرح الفكرة على منبر دولي تكتسب دلالة إضافية: تل أبيب تسعى إلى تثبيت روايتها أمام الخارج، ومفادها أن عملياتها ليست خرقاً لمسار تهدئة، بل إجراء ضروري لمنع الحزب من استعادة قدراته.

في المقابل، لم يقدّم نتنياهو تصوراً لنهاية هذا المسار اللبناني، غابت عن خطابه الإشارة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وإلى دور الجيش اللبناني، والقرار 1701، والمفاوضات والترتيبات الأمنية المطروحة في الجنوب. وهذا الغياب يضعف الحديث عن تسوية قريبة، ويترك مساحة واسعة لاستمرار واقعٍ تتحرك فيه إسرائيل عسكرياً فيما لا يظهر أفق سياسي لإنهائه.

ويبدو التباين واضحاً عند مقارنة الخطاب بموقف نتنياهو أمام الأمم المتحدة عام 2025، حين ربط إمكان الوصول إلى سلام مستدام باتخاذ لبنان خطوات فعلية لنزع سلاح “حزب الله” أما في خطابه الحالي، فقد تراجعت لغة التسوية، وحضرت بدلاً منها مفردات الانتصار والردع ومواجهة “وكلاء إيران”.

كما أن وضع “حزب الله” إلى جانب “حماس” والحوثيين ضمن جبهة واحدة تقودها طهران يتجاوز خصوصية الساحة اللبنانية. فحين تُقدَّم المواجهة على أنها صراع إقليمي موحّد، يصبح لبنان أكثر عرضة لأن يُحمَّل تبعات أي تصعيد بين إسرائيل وإيران، حتى إن لم يبدأ من أراضيه.

ولا يعني ذلك أن نتنياهو أعلن قراراً بضرب لبنان في كل ظرف، لكنه يوسّع الإطار الذي يمكن أن تُبرَّر داخله مثل هذه الضربات.

أما حديثه عن سوريا والجولان، فيعيد إلى الواجهة تصوراً إسرائيلياً للأمن يقوم على السيطرة على مناطق تعتبرها تل أبيب ضرورية، حتى عندما تتجاوز الحدود المعترف بها دولياً. لا يكفي ذلك للقول إن إسرائيل قررت تطبيق النموذج نفسه في جنوب لبنان، لكنه يفسر القلق من أن تتحول الاعتبارات الأمنية إلى مبرر لبقاء عسكري طويل وفرض وقائع يصعب تغييرها.

ولا ينفصل الخطاب عن الحسابات الداخلية الإسرائيلية.

مع اقتراب الانتخابات، يقدّم نتنياهو نفسه لجمهوره باعتباره قائداً ضرب إيران وأضعف “حزب الله” وواجه الضغوط الدولية. ومن هذه الزاوية، يخاطب استعراض “البيجر” الإسرائيليين بقدر ما يخاطب خصومه.

وكانت قراءات إسرائيلية قبل الخطاب قد توقعت تركيزه على إضعاف الحزب وتثبيت ما تعتبره إسرائيل إنجازات عسكرية في لبنان.

كذلك، لا تعني إشادة نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب حصوله على ضوء أخضر مفتوح. فقد تدخل ترامب سابقاً لوقف ضربات إسرائيلية على بيروت، في مؤشر إلى وجود حدود أو تباينات بشأن نطاق العمليات في لبنان. وربما أراد نتنياهو، عبر إظهار التقارب مع واشنطن، تأكيد أهمية الغطاء الأميركي قبل أي تصعيد أوسع.

لا يثبت الخطاب أن حرباً شاملة باتت وشيكة، ولا يتضمن إعلاناً عن عملية محددة. لكنه يكشف عن رغبة إسرائيلية في إبقاء الضربات ممكنة، وتقديمها باعتبارها امتداداً لمعركة لم تنتهِ.

كانت رسالة نتنياهو إلى لبنان أقل مباشرة من إعلان الحرب، لكنها أكثر وضوحا: ما دامت إسرائيل ترى أن “حزب الله” يعيد بناء قدراته، فإنها ستتمسك بحقها في التحرك، من دون أن تطرح في المقابل مساراً واضحاً للانسحاب أو التسوية.