هل يضع لبنان قواعد جديدة لعصر المحتوى الرقمي؟

لم يعد عالم صناعة المحتوى في لبنان مجرد مساحة مفتوحة للهواة ومحبي الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي. فمع اتساع قاعدة المتابعين، وتحوّل بعض صناع المحتوى إلى أصحاب تأثير واسع، ودخول الإعلانات والشراكات التجارية بقوة على خط الـInstagram وTikTok وYouTube، بات هذا القطاع أقرب إلى مهنة قائمة بذاتها، فيما لا يزال الإطار القانوني الذي يحكمه غير واضح بما يكفي.

 
من هنا، يأتي توجه وزارة الإعلام إلى مواكبة هذا الواقع الجديد، في إطار ورشة أوسع لإعادة تنظيم المشهد الإعلامي اللبناني بما يتناسب مع التحولات الرقمية.
 
الإعلام لم يعد محصوراً بالمؤسسات
 
التطور الأبرز خلال السنوات الماضية هو سقوط الحدود التقليدية بين «الإعلامي» و«المستخدم» على المنصات الرقمية.
 
فالشخص الذي كان ينشر محتوى شخصياً على حسابه قد يتحول، مع الوقت، إلى مصدر معلومات لمئات آلاف الأشخاص، فيما يستطيع فيديو قصير أو “Story” واحدة أن يحقق انتشاراً يتجاوز ما تحققه بعض المواد المنشورة عبر وسائل إعلام تقليدية.
 
وهذا الواقع يفرض على الدولة، والقطاع الإعلامي، والمشرّع، التعامل مع ظاهرة صناع المحتوى باعتبارها جزءاً من التحول الذي أصاب مفهوم الإعلام نفسه.
 
وفي هذا السياق، كان وزير الإعلام بول مرقص قد اعتبر المؤثرين وصناع المحتوى جزءاً أساسياً من المجتمع الإعلامي، داعياً إلى التواصل معهم والاستفادة من قدراتهم، كما طُرحت تدريبات تتعلق بسلامة الخطاب والتفاعل الإيجابي ومكافحة التضليل.

 
لماذا يحتاج الـInfluencer إلى إطار قانوني؟
 
السؤال لا يتعلق بالرغبة في فرض رقابة على مواقع التواصل، بقدر ما يتعلق بتحديد المسؤوليات.
 
فعندما يتحول الحساب الشخصي إلى منصة ذات تأثير واسع، تبدأ مجموعة من الإشكاليات بالظهور: ماذا لو نشر صاحبه خبراً كاذباً؟ من يتحمل المسؤولية عن إعلان مضلل؟ هل يجب أن يوضح للمتابعين أن المنشور إعلان مدفوع؟ وما الحدود الفاصلة بين الرأي الشخصي والترويج التجاري؟
 
كما تبرز قضايا أكثر حساسية، بينها التشهير، انتهاك الخصوصية، خطاب الكراهية، نشر المعلومات المضللة، واستغلال الأطفال في المحتوى الرقمي.وكلها ملفات لم تعد هامشية في عصر أصبحت فيه المنصات الاجتماعية مصدراً أساسياً للمعلومات والتأثير.
 
مشروع قانون الإعلام في قلب التحول
 
ويأتي هذا النقاش بالتوازي مع مشروع قانون الإعلام الجديد، الذي يفترض أن يشكل محاولة لتحديث الإطار التشريعي الإعلامي في لبنان وإدخال الإعلام الرقمي والمواقع الإلكترونية ضمن قواعد أكثر ملاءمة للواقع الحالي.
 
المشروع الذي أنهت اللجان النيابية المختصة درسه، يتناول تنظيم المواقع الإلكترونية ويتضمن أحكاماً مرتبطة بخطاب الكراهية، في محاولة لمواكبة التحولات التي لم تكن موجودة عندما وُضعت القواعد الأساسية الناظمة للإعلام اللبناني.
 
لكن التطور السريع لمنصات التواصل يطرح تحدياً إضافياً: هل يكفي تنظيم المواقع الإلكترونية، أم أن المرحلة المقبلة ستحتاج أيضاً إلى قواعد أكثر تحديداً لصناع المحتوى والمؤثرين؟
 
الإعلان… العقدة الأبرز
 
ربما يكون الإعلان التجاري أحد أكثر الملفات التي ستفرض نفسها على أي تنظيم مستقبلي. فالمتابع قد يشاهد شخصاً يمدح منتجاً أو مطعماً أو خدمة من دون أن يعرف ما إذا كان ذلك نابعاً من تجربة شخصية أم من اتفاق تجاري.
 
وفي الأسواق الرقمية المتطورة، أصبح الإفصاح عن المحتوى الإعلاني من أساسيات العلاقة بين المؤثر والجمهور، ليس فقط لحماية المستهلك، بل أيضاً لحماية المؤثر نفسه والعلامة التجارية من الالتباس.
 
وفي لبنان، يمكن أن يشكل وضع قواعد واضحة للإعلانات عبر المؤثرين خطوة أساسية في تنظيم هذا السوق، خصوصاً مع اتساع حجم الإنفاق التسويقي على المنصات الرقمية.
 
بين التنظيم والحرية
 
لكن أي تشريع لهذا القطاع سيواجه معادلة دقيقة.
 
فمن جهة، هناك حاجة إلى قواعد تمنع التضليل والإساءة والتشهير والإعلانات غير المعلنة. ومن جهة أخرى، يجب ألا يتحول التنظيم إلى أداة للحد من حرية التعبير أو فرض رقابة مسبقة على المحتوى.
 
والفارق هنا أساسي: المطلوب ليس تحديد ما يجوز للناس قوله على حساباتهم، بل تحديد المسؤوليات عندما يتحول المحتوى إلى نشاط تجاري أو إعلامي ذي تأثير واسع.
 
مهنة جديدة تبحث عن الاعتراف
 
المشهد اللبناني يتجه إذاً نحو واقع جديد: صانع المحتوى لم يعد مجرد مستخدم لمواقع التواصل، والمؤثر لم يعد بالضرورة شخصية ترفيهية.
 
إنه جزء من اقتصاد رقمي يتداخل فيه الإعلام والإعلان والتسويق والترفيه، ويحتاج، مثل أي قطاع آخر، إلى قواعد تحمي العاملين فيه والجمهور في آن واحد.
 
وبالتالي، فإن توجه وزارة الإعلام إلى تنظيم هذا المجال، سواء من خلال قانون الإعلام الجديد أو عبر أطر تشريعية وتنظيمية لاحقة، قد يشكل بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والإعلام الرقمي.
 
ففي زمن يستطيع فيه “Reel” واحد أن يصنع رأياً عاماً، وتستطيع فيه “Story” واحدة أن تؤثر في قرار شرائي، لم يعد السؤال ما إذا كان عالم الـInfluencers يحتاج إلى تنظيم، بل كيف يمكن تنظيمه من من دون قتل المساحة التي جعلت منه ظاهرة مؤثرة أصلاً؟