ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن أي تقدّم يُسجّل على هذا المسار سيعيد فتح النقاش الداخلي حول جدوى الخيارات التي اعتُمدت خلال العقود الماضية تحت عنوان “توازن الردع”. فالمسألة بالنسبة إليهم لم تعد مرتبطة فقط بتحرير بقعة جغرافية أو انسحاب من موقع عسكري، بل بإثبات قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها كمرجعية وحيدة في إدارة الصراع والتفاوض واتخاذ القرارات المصيرية.
وفي المقابل، يرى مؤيدو “حزب الله” أن إسرائيل لم تُبدِ في أي مرحلة من مراحل الصراع استعداداً لتقديم تنازلات مجانية، وأن الضغوط الأميركية لم تكن لتؤتي ثمارها لولا وجود عوامل قوة ميدانية فرضت نفسها على الأرض خلال السنوات الماضية. ولذلك فإن الجدل القائم اليوم لا يدور حول الانسحاب الإسرائيلي بحد ذاته، بل حول تفسير أسبابه والجهة التي يمكن أن تنسب إليها نتائجه السياسية والمعنوية.
وبين هاتين المقاربتين، يبدو أن لبنان يقف أمام لحظة مفصلية قد تحدد طبيعة المرحلة المقبلة. فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق انسحابات إسرائيلية ملموسة وتثبيت وقف إطلاق النار بصورة مستدامة، فإن ميزان النقاش الداخلي سيتجه أكثر فأكثر نحو أولوية الحلول السياسية والديبلوماسية. أما إذا تعثرت هذه الجهود أو اصطدمت بشروط إسرائيلية قاسية، فإن الأصوات الداعية إلى التمسك بعناصر القوة التقليدية ستجد ما يعزز حججها.
وفي كل الأحوال، فإن ما يجري في واشنطن لا يقتصر على مفاوضات تقنية تتعلق بترتيبات أمنية على الحدود الجنوبية، بل يتعداه إلى اختبار حقيقي لمستقبل المقاربة اللبنانية في إدارة الصراع مع إسرائيل، وللقدرة على الانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التسويات التي تحفظ الحقوق وتجنب البلاد أثمان الحروب المتكررة.
المصدر:
خاص لبنان24











اترك ردك