من هنا، يمكن فهم بعض مواقف بري باعتبارها محاولة للفصل بين التحالف الاستراتيجي مع “حزب الله” وبين الالتزام الكامل بخياراته العسكرية والسياسية. لكن هذا التمايز، مهما اتسع، لا يعني بالضرورة خروج بري من التحالف، ولا تخليه عن المبادئ الأساسية التي جمعت حركة “أمل” بالحزب طوال السنوات الماضية.
غير أن اللافت هو أن التمايز بات يأخذ اتجاهات غير مسبوقة، ويظهر في ملفات حساسة لم يكن الخلاف العلني حولها مألوفًا سابقًا، ما يطرح تساؤلات حول الحدود التي يمكن أن يصل إليها.
السيناريو الثاني: توزيع أدوار محسوب.
ينطلق هذا السيناريو من فرضية مختلفة تمامًا، مفادها أن مواقف بري ليست بعيدة عن حسابات “حزب الله”، بل قد تكون نتيجة تفاهم مباشر أو ضمني بين الطرفين على توزيع الأدوار في مرحلة شديدة الخطورة.
وبهذا المعنى، لا يكون التمايز مقدمة للانفصال، بل وسيلة لتأمين خط رجعة سياسي، وتخفيف الخسائر التي قد تصبح وجودية بالنسبة إلى الواقع الشيعي في لبنان.
السيناريو الثالث: بداية الخروج من التحالف، وهو السيناريو الأكثر جذرية، لكنه الأقل ترجيحًا وفق المعطيات الحالية. ويقوم على أن بري بدأ بالفعل الابتعاد تدريجيًا عن “حزب الله”، وأن مواقفه الأخيرة ليست مجرد تمايز أو توزيع أدوار، بل تعبير عن قرار سياسي بإعادة التموضع بعيدًا عن التحالف القائم.
لكن هذا الاحتمال يصطدم بتشابك المصالح السياسية والطائفية والانتخابية بين الطرفين، وبإدراكهما أن أي انقسام جذري قد يترك انعكاسات خطيرة على موقعهما داخل النظام اللبناني.
يبدو أن العلاقة بين بري و”حزب الله” دخلت مرحلة اختبار غير مسبوقة، لكن التمييز بين الخلاف السياسي وإعادة توزيع الأدوار يبقى أكثر واقعية من الحديث عن طلاق نهائي. فالسؤال لم يعد فقط عن حجم التباين بين الرجلين، بل عن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان بري يتحرك بعيدًا عن الحزب، أم أنه يتحرك في مساحة يحتاج الحزب نفسه إلى إبقائها مفتوحة.










اترك ردك