تصعيد كبير في المنطقة.. ماذا يحدث في اليمن؟

تشهد اليمن تصعيداً عسكرياً هو الأعنف منذ سنوات، مع إطلاق السعودية والحكومة اليمنية حملة عسكرية لاستعادة مناطق سيطر عليها الحوثيون في محيط مضيق باب المندب، بالتزامن مع تصاعد هجمات الجماعة على الأراضي السعودية واستمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وفق تقرير لوكالة “أسوشيتد برس”.

 

وذكرت الوكالة أن الحملة تهدف إلى إبعاد الحوثيين، المدعومين من إيران، عن باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعدما تمكنت الجماعة خلال الفترة الماضية من توسيع سيطرتها على ساحل البحر الأحمر.

 

في المقابل، صعّد الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية، وأعلنوا استهداف مطار في العاصمة الرياض ومصفاة تابعة لشركة “أرامكو” وقواعد عسكرية سعودية، بالتوازي مع تقدمهم في محيط مدينة في غرب اليمن شكّلت إحدى أبرز ساحات الحرب المستمرة منذ 12 عاماً.

 

وبحسب “أسوشيتد برس”، يأتي التصعيد اليمني في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً، إذ لا تزال التوترات مرتفعة بين واشنطن وطهران، رغم تمكن الولايات المتحدة ودول الخليج إلى حد كبير من استعادة صادرات النفط بعد اضطرابات استمرت أشهراً في مضيق هرمز.

 

وتعود جذور الحرب اليمنية الحالية إلى عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء انطلاقاً من معاقلهم في شمال البلاد، قبل أن يتدخل تحالف تقوده السعودية عام 2015 دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وأدت سنوات الحرب إلى مقتل أكثر من 150 ألف شخص من المقاتلين والمدنيين، فضلاً عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

وظل وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه عام 2022 صامداً إلى حد كبير حتى الصيف الماضي، قبل أن تتسارع التطورات العسكرية مجدداً.

 

وتتركز المواجهة الحالية بصورة أساسية حول باب المندب، بعدما تقدم الحوثيون الشهر الماضي على طول ساحل البحر الأحمر وسيطروا على مدينة المخا الساحلية وجزر في المضيق، ما أتاح لهم تشديد الحصار الذي أعلنوه على حركة الملاحة السعودية.

 

وتنبع أهمية باب المندب من كونه يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية وربع حركة الحاويات في العالم، ضمن الطريق البحري الذي يصل آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.

 

كما ازدادت أهمية المضيق بالنسبة إلى السعودية بوصفه طريقاً بديلاً لصادراتها النفطية، بعدما تعطلت حركة الشحن عبر مضيق هرمز على خلفية الحرب مع إيران.
وبدأ الهجوم المدعوم سعودياً لاستعادة ساحل البحر الأحمر بعد سيطرة الحوثيين على بلدة التربة القريبة من تعز، والتي كانت تُستخدم نقطة انطلاق رئيسية للقوات الحكومية. وتكتسب تعز أهمية خاصة بعدما شهدت بعضاً من أعنف معارك الحرب، فيما ستشكل السيطرة عليها مكسباً استراتيجياً كبيراً لأي طرف.

 

ونقلت “أسوشيتد برس” عن مسؤولين يمنيين قولهم إن التحالف بقيادة السعودية تمكن من استعادة مناطق رئيسية قرب باب المندب كان الحوثيون قد سيطروا عليها قبل أسابيع، بينها بلدة ذباب الاستراتيجية، إضافة إلى بلدات أخرى. وأكد شاهدان للوكالة مشاهدة دبابات وقوات حكومية تدخل بعض هذه المناطق.

 

في المقابل، أقرت السعودية بتعرض اثنين من مطاراتها لهجمات، أسفرت عن إصابة ثلاثة أشخاص بجروح طفيفة وإلحاق أضرار بالمنشآت.

 

وتسببت المعارك الجديدة بموجة نزوح واسعة، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة بنزوح أكثر من 184 ألف شخص منذ بداية آب، بينهم نحو 22 ألفاً بين 27 أيلول و3 تشرين الأول، بزيادة 26% عن الأسبوع السابق، فيما نزح نحو 6500 شخص في الرابع من تشرين الأول وحده.

 

ونقلت الوكالة عن مسؤولين إقليميين أن الرياض باتت تعتقد أن الحوثيين لن يعودوا إلى طاولة المفاوضات من دون ممارسة ضغط عسكري عليهم.

 

وقال كبير محللي شؤون اليمن في “مجموعة الأزمات الدولية” أحمد ناجي إن الهجوم المدعوم من السعودية يهدف إلى إضعاف الحوثيين وإرسال رسالة مفادها أن الرياض وحلفاءها يمتلكون القدرة على تغيير خريطة السيطرة داخل اليمن.

 

وأضاف أن الجانب السعودي بات مستاءً ليس فقط بسبب عدم عودة الحوثيين إلى المفاوضات، بل أيضاً بسبب استمرار توسعهم ورفع سقف مطالبهم ومواصلة هجماتهم على المملكة.

 

وعلى خط المواجهة، أفادت “أسوشيتد برس”، نقلاً عن مسؤول أميركي وآخر إقليمي، بأن الولايات المتحدة تقدم دعماً للسعودية في الحملة الجارية، يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف والمساعدة في التخطيط للهجوم.

 

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال متردداً، وفق التقرير، في توسيع التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ولم يصدر حتى الآن توجيهات للجيش الأميركي باستئناف ضرباته المباشرة ضد الحوثيين.

 

وفي تطور آخر، أعلنت باكستان وتركيا عزمهما نشر قوات عسكرية في السعودية في إطار اتفاق دفاعي جديد، من دون الكشف عن حجم القوات أو تفاصيل انتشارها.
ويرى محللون أن الخبرة القتالية الباكستانية في مواجهة الجماعات المسلحة، إلى جانب القدرات التكنولوجية التي تمتلكها باكستان وتركيا، قد تمنح السعودية قدرات إضافية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

وبذلك، تنتقل المواجهة في اليمن من مرحلة الجمود التي طبعت السنوات الأخيرة إلى صراع مفتوح على السيطرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، فيما تتشابك المعركة مجدداً مع المواجهة الإقليمية الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران وتداعياتها على أمن الخليج وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.