ولعل أكثر ما يلفت في القرار البابوي هو فتح باب قانوني لم يكن واضحاً بهذه الصورة في السابق أمام سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، عندما تصل الأزمة بين البطريرك والأساقفة إلى مرحلة بالغة الخطورة وغير قابلة للإصلاح. لكن الأمر لا يتعلق بإعطاء السينودس صلاحية مطلقة لعزل البطريرك. المسألة أكثر دقة.
ينطلق البابا لاوُن الرابع عشر من مفهوم متجذر في التقليد الشرقي، ومفاده أن السينودس هو المكان الذي تنبع منه عملية انتخاب البطريرك. من هنا فإن البطريرك، وإن كان “الأول” في السينودس، ليس كياناً منفصلاً عنه. فالسلطة البطريركية، وفق هذا المنطق، ليست سلطة فردية مطلقة، وإنما خدمة كنسية تُمارس ضمن الشركة الأسقفية. وهذا ما يجعل عبارة Pater et Caput، أي “الأب والرأس”، ذات دلالة خاصة في الوثيقة الجديدة. فالرأس لا ينفصل عن الجسد، والأب لا يمارس أبوته خارج الأسرة الكنسية. وعندما تتعرض هذه العلاقة إلى جرح عميق ومستعصٍ على المعالجة، يصبح من واجب المؤسسة الكنسية أن تبحث عن وسيلة لترميم الشركة.
فإذا رأى سينودس الأساقفة وجود سبب خطير يبرر مطالبة البطريرك بالاستقالة، يمكنه أن يطلب منه التنحي. لكن ماذا لو رفض؟ في هذه الحالة لا تنتهي العملية عند الرفض. فالأسقف الأقدم في السيامة الأسقفية، من بين أصحاب حق التصويت، يتولى الدعوة إلى انتخاب رئيس جديد للسينودس، ثم تُطرح مسألة عزل البطريرك على اقتراع سري. والشرط هنا ليس بسيطاً، إذ يجب أن يحظى القرار بموافقة ثلثي أعضاء السينودس الذين يملكون حق التصويت. كما يضمن القانون للبطريرك حق الدفاع الكامل عن نفسه أمام السينودس.
وهذا التفصيل مهم جداً، لأنه يؤكد أن المسألة ليست انقلاباً كنسياً على البطريرك، ولا إجراءً سياسياً لإسقاطه، بل عملية قانونية ذات شروط وضمانات ومحطات واضحة، لكن الكلمة الأخيرة تبقى لروما. وربما هنا تكمن أهم نقطة في المعادلة الجديدة. حتى لو اتخذ السينودس قرار العزل بأغلبية الثلثين، لا يصبح القرار نافذاً تلقائياً. فالقرار السينودسي يُرفع إلى الحبر الروماني، وتبقى موافقة البابا شرطاً لإعطائه مفعوله القانوني ولإعلان شغور السدة البطريركية. وهكذا يكون البابا لاوُن الرابع عشر قد رسم معادلة دقيقة بين مستويين من السلطة: الكنيسة الشرقية تمارس استقلاليتها السينودسية… والكرسي الرسولي يحتفظ بالكلمة النهائية.وهذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل يعكس طبيعة العلاقة بين الكنائس الشرقية الكاثوليكية وكرسي بطرس.
لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: لماذا رأى البابا لاوُن الرابع عشر ضرورة إدخال هذه الآلية في القانون الآن؟ الجواب الذي تقدمه الوثيقة نفسها مرتبط بغياب نص قانوني واضح يحدد كيفية التعامل مع حالة تصل فيها العلاقة بين البطريرك والأساقفة إلى مستوى خطير وغير قابل للإصلاح، أي أن المشكلة لم تكن في وجود سلطة أو غيابها، بل في غياب آلية قانونية واضحة للتعامل مع أزمة قصوى داخل الكنيسة البطريركية، ولذلك جاء هذا التعديل.
فالكنيسة لا تستطيع أن تترك أزمة من هذا النوع معلقة إلى ما لا نهاية، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تسمح بأن تتحول الأزمة إلى صراع شخصي أو انقسام مؤسسي.
لذلك يأتي القانون ليقول بصورة واضحة: عندما تفشل كل وسائل المعالجة، هناك آلية كنسية وقانونية يمكن اللجوء إليها.
ونسأل مع السائلين: هل يعني ذلك إضعاف البطاركة؟ الجواب الطبيعي والتلقائي هو أن ليس بالضرورة. بل يمكن قراءة القرار من الاتجاه المعاكس تماماً.
فالهدف ليس إضعاف مقام البطريرك، وإنما حماية المقام البطريركي وحماية السينودس وحماية وحدة الكنيسة في الوقت نفسه. فالبطريرك القوي لا يحتاج إلى أن يكون فوق السينودس. والسينودس القوي لا يحتاج إلى أن يتحول إلى سلطة تنازع البطريرك صلاحياته اليومية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الخلافات إلى قطيعة، وعندما تصبح الشركة الأسقفية نفسها مهددة. عندها يصبح وجود آلية قانونية للمساءلة أفضل من ترك الأزمة تتوسع خارج الأطر الكنسية.
قرار بابوي غير مسبوق… السينودس يستطيع طلب عزل البطريرك

لم يكن «Motu Proprio» الذي أصدره قداسة البابا لاوون الرابع عشر بعنوان «Mutua Concordia» مجرد تعديل تقني في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية. فالقرار الذي عدّل القانونين 106 و126 يحمل في طياته رسالة كنسية وقانونية بالغة الأهمية، إذ أن السلطة البطريركية، مهما علا شأنها، لا تُمارس خارج الشركة الأسقفية، والسينودس ليس مجرد إطار استشارّي، بل يمكن أن يتحول، في ظروف استثنائية، إلى أداة للمساءلة والمحاسبة.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك