ماذا يحدث في فرنسا؟ “جرس إنذار” يهزّ سوق السندات

نشر موقع “Business Insider” تقريراً جديداً سلّط فيه الضوء على الضغوط المتصاعدة في أسواق السندات العالمية، معتبراً أن فرنسا باتت واحدة من أبرز الأمثلة على سرعة تراجع ثقة المستثمرين بالسياسات المالية للدول، في ظل ارتفاع الديون والعجز وكلفة الاقتراض.

وبحسب التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24″، تشهد عوائد السندات الحكومية ارتفاعاً متواصلاً منذ أشهر في عدد من الاقتصادات الكبرى، مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومات، نتيجة المخاوف من التضخم واتساع الاحتياجات التمويلية والاعتماد المتزايد على الاقتراض.

وتبرز هذه الضغوط في دول كبرى مثل الولايات المتحدة واليابان، إلا أن فرنسا تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى حالة لافتة، بعدما ارتفع العائد على سنداتها الحكومية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ عام 2002، متجاوزاً حتى العائد على ديون اليونان التي كانت قبل سنوات في قلب أزمة الديون الأوروبية.

واشار التقرير إلى أن اللافت ليس ارتفاع العائد الفرنسي فحسب، بل السرعة التي حدث بها ذلك، رغم أن المخاوف المالية تطال أيضاً اقتصادات أوروبية أخرى، من بينها بريطانيا وإيطاليا وألمانيا.

ومع تزايد القلق، اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى أعلى مستوياته منذ أزمة ديون منطقة اليورو قبل نحو عقد، في مؤشر إلى ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالدين الفرنسي.

لماذا تثير فرنسا القلق؟

يربط التقرير المشكلة الفرنسية باجتماع عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها ارتفاع الدين العام، والعجز الكبير في الموازنة، وضعف النمو الاقتصادي نسبياً، إلى جانب الزيادة الكبيرة في كلفة خدمة الدين نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة.

ويمكن التعامل مع كل واحدة من هذه المشكلات بصورة منفردة، وفق التقرير، لكن اجتماعها في الوقت نفسه قد يجعل وضع الدين أكثر هشاشة ويزيد صعوبة السيطرة عليه.

كذلك، فإن فرنسا لا تتمتع ببعض عناصر الحماية المتاحة لاقتصادات أخرى. فالولايات المتحدة تصدر ديونها بعملتها الخاصة، فيما يشكل الدولار عملة الاحتياط الرئيسية عالمياً، أما اليابان فيُحتفظ بجزء كبير من ديونها الحكومية داخل البلاد. ولا تمتلك فرنسا هامش حماية مماثلاً، خصوصاً أنها جزء من منطقة اليورو ولا تتحكم منفردة بسياستها النقدية.

خيارات صعبة أمام باريس

تواجه الحكومة الفرنسية، وفق التقرير، معادلة سياسية واقتصادية معقدة. فإذا خفضت الإنفاق، قد تتوسع الاحتجاجات ويتعرض النمو الاقتصادي لمزيد من الضغوط. وإذا واصلت الإنفاق المرتفع، ستحتاج إلى مزيد من الاقتراض في وقت أصبحت فيه كلفته أعلى. أما رفع الضرائب فقد يؤدي بدوره إلى إضعاف اقتصاد يعاني أساساً من نمو متواضع.

ويضاف إلى ذلك اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، بما يحمله الاستحقاق من احتمالات لمزيد من التوتر السياسي والاقتصادي.

لماذا تتجاوز المشكلة حدود فرنسا؟

ويشدد “Business Insider” على أن فرنسا ليست على حافة التخلف عن سداد ديونها، إلا أن التطورات الأخيرة تحمل رسالة أوسع للأسواق والحكومات: ثقة المستثمرين بالسياسات المالية قد تتراجع بسرعة، وعندها يمكن أن ترتفع كلفة الاقتراض بصورة حادة.

ويشير التقرير خصوصاً إلى الولايات المتحدة التي تواجه بدورها عجزاً مالياً ضخماً وارتفاعاً في كلفة خدمة الدين، إلى جانب انقسامات سياسية تجعل الاتفاق على خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب أمراً صعباً.

ورغم أن ارتفاع عوائد السندات الفرنسية لن يؤدي بصورة مباشرة إلى رفع فوائد الرهن العقاري في الولايات المتحدة، فإن أسواق الدخل الثابت مترابطة عالمياً، وبالتالي يمكن لارتفاع كلفة الاقتراض في أوروبا أن يضيف ضغوطاً إلى أسواق السندات الأخرى.

أيضاً، فإن تفاقم المخاوف المالية في أوروبا قد ينعكس على أسواق الأسهم، ويدفع الدولار إلى الارتفاع، ويزيد توجه المستثمرين نحو الأصول التي تُعد أكثر أماناً.

ويخلص التقرير إلى أن فرنسا لا تواجه أزمة إفلاس وشيكة، لكن ما يحدث في سوق سنداتها يشكل تحذيراً من أن الصدقية المالية التي تحتاج الدول إلى سنوات لبنائها يمكن أن تتآكل خلال فترة قصيرة عندما يبدأ المستثمرون بفقدان الثقة.