الثابت الإيراني: لبنان ركيزة استراتيجية لا بند تفاوض
في القراءة السياسية الممتدة من طهران، لا يُصنف الملف اللبناني كبندٍ ثانوي أو هامشي على طاولة البحث، بل يشكل ركيزة أساسية وعمقاً استراتيجياً لا يقبل المساومة.
ووفقاً لمعطيات المشهد، فإن الآمال الأميركية بصياغة تفاهم إقليمي عريض تظل رهن الحسابات الميدانية؛ ورغم أن الجانب الإسرائيلي توقف عن التوغل نتيجة ضغوط أميركية حثيثة، وأوعز المستوى السياسي فيه للجانب العسكري بتقليص التواجد الميداني ليقتصر حالياً على عدد قليل من الآليات، إلا أن أي محاولة لتثبيت هذا التواجد أو استمرار الانتهاكات يهدد بانهيار المظلة الدبلوماسية؛ إذ يظل الاحتكاك العسكري أمراً حتمياً ويضع المنطقة أمام تصعيد مستمر ومسألة وقت لا أكثر.
معضلة البيت الأبيض
هذا الترابط الوثيق يضع إدارة ترامب أمام استحقاق حرج ومباشر؛ فالحفاظ على مسار تفاوضي مستقر مع إيران سيتطلب من البيت الأبيض اتخاذ خيارات حاسمة:
إما ممارسة ضغوط حقيقية وجادة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لضمان انسحاب كامل وقريب من الأراضي اللبنانية، أو التسليم بالمخاطر المرتفعة التي قد تعصف بالمسار الدبلوماسي بأكمله جراء اشتعال الميدان.
رسائل التهدئة الاميركية والمناورة الإسرائيلية
جاء الإيعاز الأخير من نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بوقف إطلاق النار، مع الإبقاء على الانتشار العسكري في المواقع الحالية، بمثابة خطوة منقوصة لا تؤسس لاستقرار دائم.
وتتقاطع الأوساط الدبلوماسية عند تقدير يفيد بأن هذه الخطوة أتت بطلب أميركي مباشر، يهدف إلى استيعاب وتبريد رد الفعل الإيراني الذي لوّح بالخيارات الخشنة في مضيق هرمز.
وقد نقلت القنوات الإسرائيلية عن مصادر أن واشنطن مررت رسائل واضحة إلى تل أبيب، تدعوها فيها إلى تجنب أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى انهيار محادثات سويسرا، مع التأكيد على ضرورة “التنسيق المسبق”، والابتعاد عن الهجمات غير المنسقة التي استهلكت حيزاً كبيراً من رأس المال السياسي للإدارة الأميركية.
موقف الميدان
في المقابل، جاء موقف “حزب الله” حاسماً برفض أي محاولة لتثبيت حرية الحركة البرية أو الجوية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن إحباط هذا المخطط وطرد القوات هو خيار حتمي وقائم.
وتُشير المعطيات الحالية إلى أن قرار وقف إطلاق النار الراهن يرتبط بإفساح المجال أمام انطلاق جولة المحادثات الأميركية الإيرانية في سويسرا.
ومع ذلك، تبرز في الأفق إستراتيجية إسرائيلية واضحة تسعى إلى فصل الملف اللبناني كلياً عن مسار المفاوضات الإيرانية في سويسرا، والبقاء على المسار التفاوضي المباشر المرتقب الذي تقوده الدولة اللبنانية.
لكن رغم كل هذه المحاولات الإسرائيلية الحثيثة لفك المسار اللبناني عن الإيراني عبر سياسة حافة الهاوية “المحسوبة” والمجازر، يبدو أن هذه المخططات قد باءت بالفشل؛ إذ اصطدمت السقوف الإسرائيلية المرتفعة بجدار الواقعية السياسية في واشنطن، وهو ما تُرجم بوضوح في تصريح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي أكد فيه أن المباحثات ستكون محصورة بجبهة لبنان والملف النووي، مما يعيد تأكيد التلازم البنيوي بين الملفين ويفشل مساعي عزل الساحة اللبنانية.
الثابت حتى الساعة أن طهران لا تبدي أي مؤشرات للتراجع أو تقديم تنازلات في الشق اللبناني الذي تراه جزءاً لا يتجزأ من رزمة الاتفاق الشامل.
وفي حال أصرت تل أبيب على مواصلة عملياتها العسكرية، فإن ارتدادات الصراع لن تبقى محصورة في الجبهة اللبنانية، بل قد تمتد لتشعل جبهات إقليمية أخرى، مما يضع المنطقة برمتها أمام اختبار ميداني مفتوح.











اترك ردك