أبعاد التحرك الفرنسي: الجيش أولاً وإعمار الجنوب ثانياً

كتبت دوللي بشعلاني في “الديار”:

 

 

تقول مصادر سياسية مطلعة إنّ باريس تنظر إلى الجنوب اللبناني باعتباره العقدة الأساسية لأي تسوية مقبلة: فإذا عاد السكان من دون إعمار، انهار الاستقرار. وإذا وُجد الإعمار من دون دولة، عاد الانفجار. وإذا حضر الجيش من دون تمويل، بقي الانتشار شكلياً.

 

من هنا، تعمل فرنسا على خطة إنقاذية ثلاثية الأبعاد، تتجاوز الدعم التقليدي للبنان، وترتكز على؛ جيش قوي، دولة فاعلة، وجنوب قابل للحياة. وتصوّر ماكرون، وفق المصادر، هو رسالة واضحة مفادها أنّ باريس تريد استعادة دورها التاريخي في الملف اللبناني، ولا سيما بعد تهميشها عن مسار التفاوض المباشر رغم عضويتها الأساسية في آلية مراقبة وقف النار “الميكانيزم”، وثقلها داخل قوات “اليونيفيل” العاملة في جنوب لبنان.

 

فما هي بنود الخطّة الإنقاذية التي يطرحها ماكرون بالنسبة للبنان، تجيب المصادر السياسية بأنّ فرنسا ستلتزم:

 

أولاً، بدعم لبنان في أي مفاوضات مقبلة مع “إسرائيل”. فقد قال ماكرون صراحة إنّ وجود فرنسا على طاولة التفاوض يعتبر “مسألة ثانوية”، وإنّ الأهم هو أن تساعد باريس لبنان في التحضير للمفاوضات وصون مصالحه. هذا الكلام فُهم على أنّه استياء فرنسي من تهميشها أميركياً، لكن من دون الانسحاب من الملف اللبناني.

 

ثانياً: مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني. فباريس لا تزال مستعدّة للتحضير لمؤتمر دولي جديد مخصّص لدعم الجيش عندما تجد بيروت الوقت المناسب لذلك، يشمل:  تمويل مالي عاجل،  تجهيزات عسكرية ولوجستية، تدريب وحدات منتشرة جنوباً، دعم مراقبة الحدود، ورفع جهوزية الانتشار بعد الحرب. وذلك انطلاقاً من أنّ فرنسا تعتبر أنّ الجيش هو العمود الفقري لأي تسوية، وأنّ الجنوب لا يمكن أن يُسلَّم للفراغ بعد وقف النار.

 

وثالثاً: مساهمة مباشرة في إعمار الجنوب. وهنا بيت القصيد. فقد تحدث ماكرون عن التزام فرنسي بالمساهمة في إعادة بناء المناطق التي دمّرتها الحرب، خصوصاً الجنوب.

 

 

وتلفت المصادر المطلعة في هذا السياق إلى أنّ باريس تبحث في إنشاء صندوق متعدّد الأطراف يضمّ دولاً أوروبية وخليجية لتمويل: إعادة بناء المنازل المهدّمة، أو التي تمّ جرفها ونسفها نهائياً، وإصلاح المدارس والمستشفيات، وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والإتصالات والإنترنت، وترميم الطرق والجسور التي تدمّرت وقُطعت، ودعم عودة السكّان إلى القرى الحدودية.

 

علماً بأنّ “إسرائيل” طلبت أخيراً من سكّان 58 قرية حدودية عدم العودة اليها، في محاولة لإخلاء المنطقة من أهلها وتحويلها الى منطقة عازلة ضمن ما تُسمّيه بالخط الأصفر. هذا الخط المرفوض من قبل لبنان، ومن سائر الدول التي تعترف بسيادة لبنان وبحدوده المرسّمة والمودعة لدى الأمم المتحدة.

 

أمّا لماذا تتحرّك فرنسا الآن بقوّة، فلأنّ واشنطن، على ما توضح المصادر السياسية، قد حيّدتها أولاً عن التفاوض المباشر. فرغم أنّ فرنسا عضو أساسي في لجنة “الميكانيزم”، ورغم ثقلها في لبنان، تمّ استبعادها من المفاوضات المباشرة بين بيروت وتلّ أبيب، والتي تجري برعاية أميركية. وعبّرت مصادر أوروبية عن هذا الأمر بأنّ باريس تعتبر ذلك تهميشاً لدورها التاريخي. لذلك اختارت الردّ من بوّابة أخرى: إذا أُغلقت طاولة السياسة، تُفتح ورشة الاقتصاد والإعمار.

 

ثانياً، لأنّ باريس لا تريد خسارة نفوذها اللبناني. فلبنان بالنسبة لفرنسا ليس مجرد ملف خارجي، بل آخر مساحة تأثير واضحة لها في المشرق. وأي تسوية أميركية – “إسرائيلية” – إقليمية تتجاوز باريس ستعني خسارة استراتيجية.

 

وثالثاً، لأنّ الدمّ الفرنسي سقط مرّات عدّة في الجنوب، وآخرها مقتل جنديين فرنسيين من قوّات “اليونيفيل” في الجنوب. الأمر الذي رفع منسوب الغضب داخل باريس، وأعاد طرح سؤال: كيف تبقى فرنسا تدفع الثمن من دون أن يكون لها دور سياسي؟
رغم ذلك، تنوي باريس البقاء في الجنوب، حتى بعد مغادرة اليونيفيل نهاية العام الجاري. وتتحدّث مصادر دفاعية أوروبية عن سيناريو يجري بحثه، يقوم على تحويل الحضور الفرنسي من قوّات حفظ سلام إلى بعثة دعم ثنائي للجيش اللبناني، أو الإنضمام إلى قوّات متعدّدة الجنسيات في حال تقرّر ذلك لاحقاً.